عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق
تُعد معاشات الشيخوخة اليوم أكثر أشكال الحماية الاجتماعية انتشاراً في العالم. ووفقاً لمعطيات منظمة العمل الدولية، يستفيد نحو 80% من الأشخاص الذين بلغوا سن التقاعد من معاش تقاعدي. بينما كان النسبة حوالي 74% سنة 2015. ورغم هذا التقدم، ما يزال أكثر من 165 مليون شخص مسنّ حول العالم محرومين من أي حماية تقاعدية. ومن ثمّ أصبحت ضمانات الدخل للأشخاص المسنين رهاناً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية. كما ترتبط بمحاربة الفقر وتعزيز القدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والديموغرافية والمناخية.
الاتجاهات العالمية الكبرى
تتسم أنظمة التقاعد عبر العالم بتنوع كبير. فمعظم البلدان تجمع بين أنظمة قائمة على الاشتراكات يمولها العمال وأرباب العمل، وأنظمة غير قائمة على الاشتراكات تمولها الدولة من الضرائب. ويهدف هذا المزيج إلى تحقيق تغطية شاملة. كذلك يهدف إلى حماية الأشخاص الذين لم يتمكنوا من المساهمة بما يكفي خلال حياتهم المهنية.
ومن بين 222 بلداً وإقليماً تتوفر بشأنها بيانات لدى منظمة العمل الدولية، يوجد 213 بلداً يتوفر على الأقل على نظام تقاعد يصرف معاشات دورية. وتعتمد الأغلبية على أنظمة عمومية قائمة على مبدأ التضامن الجماعي. كما أن أنظمة المعاشات ذات المنافع المحددة، التي تضمن مستوى من المعاش مرتبطاً بالمسار المهني للمستفيد، ما تزال هي السائدة في أغلب البلدان.
غير أن الفوارق في التغطية تظل كبيرة. ففي حين يتمتع معظم العمال بالتغطية في أمريكا الشمالية وأوروبا، تبقى معدلات الانخراط ضعيفة جداً في البلدان منخفضة الدخل. ويظهر هذا خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء. وعلى المستوى العالمي، لا تتجاوز نسبة النشيطين الذين يساهمون فعلياً في أنظمة التقاعد 58.5%.
كما تشكل الفوارق بين النساء والرجال إحدى السمات البارزة لأنظمة التقاعد. فالنساء أقل استفادة من الأنظمة القائمة على الاشتراكات. ويعود ذلك إلى ضعف مشاركتهن في سوق الشغل المنظم، وتركزهن في الأعمال الهشة وغير المهيكلة. ويبرز هذا الوضع بشكل خاص في البلدان العربية وشمال إفريقيا.
أما النفقات العمومية المخصصة للمعاشات فتبلغ في المتوسط 7.6% من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي. لكنها تختلف بشكل كبير بين المناطق. إذ تتجاوز 10% في أوروبا وآسيا الوسطى، بينما تقل عن 2% في إفريقيا.
التحديات العالمية لأنظمة التقاعد
تواجه أنظمة التقاعد عدة تحديات هيكلية.
أول هذه التحديات يتمثل في الشيخوخة الديموغرافية. إذ يؤدي ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى زيادة عدد المتقاعدين. كما يطيل مدة صرف المعاشات. وهو ما يرفع النفقات ويقلص نسبة المساهمين مقارنة بالمستفيدين.
أما التحدي الثاني فيتعلق بتوسيع التغطية الاجتماعية. إذ إن نسبة مهمة من السكان النشيطين في البلدان النامية تشتغل في القطاع غير المهيكل. وبالتالي لا تستفيد من أنظمة التقاعد.
ويتعلق التحدي الثالث بالاستدامة المالية. حيث تسعى الحكومات إلى الحفاظ على توازن الأنظمة دون المساس بمستوى حماية المتقاعدين.
وفي مواجهة هذه التحديات، لجأت عدة بلدان إلى إصلاحات تروم الرفع التدريجي لسن التقاعد القانوني. كما شملت هذه الإصلاحات زيادة الاشتراكات أو تعديل طرق احتساب المعاشات. غير أن هذه الإجراءات غالباً ما تثير مقاومة اجتماعية قوية. وقد ظهر ذلك في نقاشات فرنسا ودول أخرى خلال السنوات الأخيرة.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أن أي إصلاح ينبغي أن يحترم مجموعة من المبادئ الأساسية. من بينها ضمان معاشات كافية، والحفاظ على القدرة الشرائية للمتقاعدين عبر مراجعة دورية للمعاشات. إضافة إلى ضمان الشفافية في تدبير الصناديق، والحفاظ على مبدأ التضامن الجماعي.
حالة المغرب: إصلاح لم يكتمل
يواجه المغرب التوجهات الديموغرافية نفسها التي تعرفها العديد من البلدان. إذ إن ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد عدد المتقاعدين يفرضان ضغوطاً متنامية على الأنظمة القائمة.
وقد شمل الإصلاح الذي تم اعتماده سنة 2016 أساساً نظام المعاشات المدنية الذي تديره الصندوق المغربي للتقاعد. واستند إلى مجموعة من الإجراءات البارامترية، من بينها:
* الرفع التدريجي لسن التقاعد من 60 إلى 63 سنة؛
* رفع نسبة الاشتراكات من 20% إلى 28%؛
* تخفيض معدل احتساب المعاش من 2.5% إلى 2% عن كل سنة خدمة؛
* تغيير طريقة احتساب المعاش على أساس متوسط أجور السنوات الثماني الأخيرة بدلاً من الأجر الأخير.
وقد ساهم هذا الإصلاح في إبطاء تدهور الوضعية المالية للنظام. كما ساهم في إطالة عمر احتياطاته المالية. لكنه لم يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة التي يعاني منها النظام. كما تعرض لانتقادات واسعة لأنه حمّل الموظفين العموميين الجزء الأكبر من كلفة الإصلاح، دون الشروع في إصلاح شامل لمنظومة التقاعد برمتها.
الوضع الحالي لأنظمة التقاعد بالمغرب
ما تزال منظومة التقاعد المغربية تتسم بتعدد الأنظمة وتشتتها. وهي تقوم أساساً على أربعة أنظمة:
* الصندوق المغربي للتقاعد لفائدة الموظفين؛
* النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد لفائدة مستخدمي المؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية المنخرطة فيه؛
* الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لفائدة أجراء القطاع الخاص؛
* الصندوق المهني المغربي للتقاعد كنظام تكميلي.
وتختلف الأوضاع المالية لهذه الأنظمة. فبينما لا يزال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق المهني المغربي للتقاعد يتمتعان بهوامش مالية مريحة نسبياً، يواصل كل من الصندوق المغربي للتقاعد والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد تسجيل عجز تقني هيكلي.
وتظهر الدراسات الاكتوارية أن إصلاح سنة 2016 لم يفعل سوى تأجيل المشكلات دون حلها. إذ يتزايد عدد المتقاعدين بوتيرة أسرع من عدد المساهمين. وهو ما يهدد توازن الصناديق على المدى الطويل.
لماذا تبدو الإصلاحات صعبة؟
منذ سنة 2025، أعادت الحكومة إطلاق المشاورات من أجل إرساء إصلاح هيكلي شامل. وتقوم السيناريوهات المتداولة على إحداث قطبين رئيسيين للتقاعد: قطب عمومي وقطب خاص. على أن يتطورا تدريجياً نحو نظام أكثر انسجاماً.
غير أن المفاوضات مع الشركاء الاجتماعيين ما تزال تواجه صعوبات كبيرة. فالنقابات تعتبر أن الأجراء تحملوا بالفعل كلفة إصلاح 2016. وذلك من خلال رفع الاشتراكات وتأخير سن التقاعد وتخفيض المعاشات المستقبلية بشكل غير مباشر. كما تطالب بضمانات إضافية لحماية الحقوق المكتسبة والحفاظ على القدرة الشرائية للمتقاعدين. إضافة إلى مزيد من الشفافية بشأن المعطيات المالية للصناديق.
في المقابل، تؤكد الحكومة على الطابع الاستعجالي للوضعية المالية. كما تشير إلى القيود التي تواجه الميزانية العمومية. ومن ثم فإن الخلاف لا يقتصر على الجوانب التقنية. بل يشمل أيضاً كيفية توزيع كلفة الإصلاح بين الأجراء وأرباب العمل والدولة.
التحدي الأكبر: توسيع التغطية التقاعدية
من أهم الدروس المستفادة من التجارب الدولية أن استدامة أنظمة التقاعد لا تعتمد فقط على الإصلاحات المالية. بل تعتمد أيضاً على توسيع قاعدة المساهمين.
ففي المغرب يتجاوز عدد الأشخاص البالغين 60 سنة خمسة ملايين شخص. بينما لا يتعدى عدد المستفيدين من معاشات التقاعد حوالي 1.3 مليون شخص. وهذا يعني أن نحو ثلاثة أرباع المسنين لا يتوفرون على أي معاش تقاعدي. ويعكس هذا الوضع حجم القطاع غير المهيكل. كما يعكس الإقصاء التاريخي لفئات واسعة من العاملين من أنظمة التقاعد.
لذلك فإن إدماج العمال المستقلين والمقاولين الذاتيين والفلاحين والعاملين في الاقتصاد غير المهيكل يشكل شرطاً أساسياً لإنجاح أي إصلاح مستدام. كما أن الورش الذي أطلقه المغرب لتعميم الحماية الاجتماعية والتأمين الإجباري عن المرض يمثل خطوة أولى في هذا الاتجاه.
خاتمة
تُظهر التجربة الدولية أن إصلاح أنظمة التقاعد لا يمكن أن يقتصر على رفع الاشتراكات أو تأخير سن التقاعد. فنجاح أي نظام تقاعدي يقوم على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية وتوسيع التغطية.
وفي المغرب، مكّن إصلاح سنة 2016 من كسب بعض الوقت. لكنه لم يحل المشكلات الأساسية. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يجمع بين توحيد الأنظمة القائمة، وضمان استدامتها المالية، وتوسيع التغطية لتشمل ملايين العاملين الذين ما زالوا خارج المنظومة. فالتحدي لا يتمثل فقط في تمويل معاشات اليوم، بل في بناء نظام يضمن لعدد أكبر من المغاربة حياة كريمة بعد التقاعد.




