عبدالسلام الصديقي

دخلت الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين حيز التنفيذ في مارس 2026. جاء ذلك بعد اعتماد برنامجها التفصيلي خلال الاجتماعات السنوية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني والجمعية الوطنية الشعبية. وتمثل هذه الخطة الإطار الذي سيقود التوجهات الاستراتيجية للصين بين 2026 و2030. وتأتي هذه الخطة في مرحلة تريد فيها بكين إعادة صياغة نموذجها الاقتصادي. كما تسعى لتعزيز موقعها في التنافس العالمي.

تحافظ الخطط الخمسية في الصين على مكانة مركزية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949. غير أن دورها لم يعد يقتصر على التخطيط التقليدي كما في بداياته. بل صار أداة لتوجيه التحولات الكبرى في الاقتصاد والتعليم والصحة والدفاع والانتقال البيئي والابتكار والانفتاح الدولي. ويعكس هذا الامتداد حجم الرهان الذي تضعه بكين على هذه الوثيقة في السنوات المقبلة.

الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين تضع الصناعة في قلب التحول

تراهن الصين في هذه الخطة على بناء نظام صناعي حديث حول ما تسميه “القوى المنتجة من النوع الجديد”. ويعني ذلك الانتقال من منطق النمو الموسع إلى نموذج جديد لخلق الثروات. يقوم هذا النموذج على الاختراقات التكنولوجية والتخصيص الذكي لعوامل الإنتاج، مثل البيانات ورأس المال التكنولوجي والكفاءات البشرية.

ولهذا الغرض، تعتمد بكين استراتيجية بثلاثة مستويات. يهم المستوى الأول تحديث القطاعات التقليدية، مثل المناجم والمعادن والكيمياء والهندسة الميكانيكية وصناعة السفن. وتبقى هذه القطاعات تشكل نحو 80 في المائة من النسيج الصناعي الصيني. لذلك تعتبر إعادة هيكلتها خطوة مركزية في أي تحول اقتصادي واسع.

وتريد الصين إعادة تشكيل هذه القطاعات عبر الأتمتة والرقمنة والتخضير. ويصف النص المصدر هذا التحول بأنه غير مسبوق من حيث الحجم. كما أن هناك توقعات بأن يولد وحده ما يقارب 10 آلاف مليار يوان خلال خمس سنوات. ويمثل هذا القدر أكثر من 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025. وهذا المعطى يبرز أن الرهان الصناعي ليس تقنيا فقط، بل يرتبط أيضا بمردودية اقتصادية ضخمة.

أما المستوى الثاني، فيتعلق بتطوير الصناعات الناشئة التي تعدها الصين محركات النمو الفعلية. ويحدد النص خمسة قطاعات رئيسية، هي الصناعة المرتبطة بالرقمنة، بما فيها الذكاء الاصطناعي وقوة الحوسبة، ثم أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والروبوتات والصيدلة الحيوية. وتجمع هذه المجالات بين الكثافة التكنولوجية العالية والبصمة الكربونية المنخفضة. كما تملك قدرة على توفير مناصب شغل مؤهلة.

أما المستوى الثالث، فيخص تكنولوجيا المستقبل. وهنا تظهر رهانات بعيدة المدى تشمل الكم والتصنيع البيولوجي والاندماج النووي وواجهات الدماغ والآلة وتقنيات الجيل السادس. والهدف، كما يقدمه النص، هو تحقيق تقدم مبكر في مجالات قد تساوي خلال عشر سنوات قطاعا كاملا جديدا من قطاعات التكنولوجيا العالية.

الابتكار والبحث العلمي في صلب الرهان الصيني

يعطي المخطط الخماسي الجديد مكانة محورية للابتكار التكنولوجي. فالنص يشير إلى أن نفقات البحث والتطوير ينتظر أن تواصل نموها بحوالي 7 في المائة سنويا. ويأتي هذا الاستثمار من أجل تعزيز المنظومة الوطنية للابتكار. ويعكس هذا التوجه رغبة صينية واضحة في الانتقال من وضع “القوة الصناعية الكبرى” إلى موقع الرائد العالمي في الابتكار التكنولوجي.

ولا يرتبط هذا الرهان بالاقتصاد وحده. بل يشمل أيضا الأمن التكنولوجي والاستقلال الاستراتيجي. فكلما زادت القيود الدولية المفروضة على الوصول إلى التقنيات المتقدمة، ازدادت حاجة الصين إلى بناء منظومة أكثر استقلالا في المعرفة والإنتاج والتطوير. لذلك، يبدو الاستثمار في البحث العلمي جزءا من تصور سياسي واقتصادي أوسع. ولا يجب اعتباره مجرد خيار تنموي محدود.

الدورة المزدوجة.. تقوية الداخل مع الحفاظ على الانفتاح

إلى جانب الصناعة والابتكار، يولي المخطط أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة. وتشمل الأولويات رفع دخل الأسر، وتقليص الفوارق الجهوية، وتحسين الحماية الاجتماعية، وتوسيع الولوج إلى التعليم والرعاية الصحية. كما تهدف الحكومة إلى الحفاظ على معدل البطالة الحضرية دون 5.5 في المائة، من أجل ضمان الاستقرار الاجتماعي.

ومن بين الأهداف الرئيسية أيضا تعزيز دور الاستهلاك المحلي في النمو. فاليوم يمثل استهلاك الأسر حوالي 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. بينما تراهن الحكومة على رفع هذه النسبة إلى نحو 45 في المائة بحلول 2030. والغاية من ذلك تقليص الاعتماد على الصادرات والاستثمار العام. وتسعى الصين لجعل السوق الداخلية رافعة أقوى للنمو الاقتصادي.

ويندرج هذا الاختيار ضمن ما يسمى باستراتيجية “الدورة المزدوجة”. وتجمع هذه الاستراتيجية بين تطوير السوق الداخلية والحفاظ على انفتاح اقتصادي منضبط. كما تهدف هذه المقاربة إلى تقليل اعتماد الصين على الصادرات. ويأتي هذا في وقت تتصاعد فيه الضغوط الحمائية والتجارية، خاصة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

ثقل التحديات الديموغرافية والجيوسياسية

رغم الطموح الكبير، تواجه الخطة الخمسية الخامسة عشرة عدة تحديات ثقيلة. أولها التباطؤ التدريجي في النمو الاقتصادي، بعد عقود من التوسع السريع. ويدخل الاقتصاد الصيني اليوم مرحلة أكثر نضجا، بمعدل نمو أكثر اعتدالا. لذلك يفرض هذا الواقع على الحكومة البحث عن توازن دقيق بين الاستقرار والإصلاح.

التحدي الثاني ديموغرافي. فالصين تواجه انخفاضا في معدل الولادات وتسارعا في شيخوخة السكان. وهذه اتجاهات قد تؤثر على نسبة السكان النشطين، وتزيد الضغط على أنظمة التقاعد والصحة. ولمواجهة هذا الوضع، يشير النص إلى أن السلطات ستحتاج إلى تشجيع الابتكار وتحسين الإنتاجية. ويتم ذلك عبر الاستخدام المكثف للروبوتات والذكاء الاصطناعي. كما يقترح النص اللجوء إلى سياسات اجتماعية ملائمة لمجتمع يتقدم في العمر.

أما التحدي الثالث، فيرتبط بالتوترات الجيوسياسية. فالصراعات بين القوى الكبرى أدت إلى فرض قيود على الوصول إلى بعض التقنيات المتقدمة. وفي هذا السياق، تسعى الصين إلى تعزيز أمنها الاقتصادي والتكنولوجي، مع مواصلة المشاركة النشطة في المبادلات الدولية. ويجعل هذا التوازن بين الاستقلال الاستراتيجي والانفتاح الاقتصادي واحدا من أصعب رهانات السنوات القادمة.

بين الاقتصاد والقوة العالمية

تقدم الصين نفسها اليوم كقوة تريد أن تبني صعودها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، لا فقط عبر أدوات النفوذ التقليدي. والنص المصدر يذهب إلى أن بكين تسير في طريق مغاير تماما لنهج إدارة دونالد ترامب. وبالتالي، ستكون السنوات المقبلة مرشحة لمواجهة دولية بطابع اقتصادي واستراتيجي عميق. كما يشير إلى أن القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، إذا جرى الإبقاء عليها، قد تمنح لمحة أوضح عن طبيعة هذا التنافس.