تشهد الوضعية المائية في المغرب تحسنا لافتا خلال الموسم الجاري، بعد تساقطات مطرية وثلجية استثنائية. وساهمت هذه التساقطات في إنعاش الموارد المائية السطحية والجوفية، بعد سنوات متتالية من الإجهاد المائي الحاد.
ومكن هذا التحسن من استعادة جزء مهم من المخزون الاستراتيجي للمياه. كما منح المملكة هامشا أكبر لتأمين حاجيات الشرب والسقي، في أفق متوسط، خاصة داخل الأحواض التي عانت كثيرا من الجفاف.
الوضعية المائية في المغرب بعد التساقطات
عرفت مختلف الأحواض المائية انتعاشا مهما خلال الموسم الجاري. وأصبحت جميعها توفر احتياطيا كافيا لتأمين الماء الصالح للشرب لمدة لا تقل عن سنتين.
وتصل هذه المدة، في بعض الأحواض، إلى خمس سنوات. ويشمل ذلك أحواضا كانت ضمن المناطق الأكثر تضررا خلال سنوات الجفاف.
ويعد هذا المؤشر تطورا مهما في تدبير الموارد المائية. فهو يعيد جزءا من الاطمئنان بخصوص الأمن المائي الوطني، بعد مرحلة صعبة اتسمت بتراجع الواردات المائية.
كما يبرز أهمية التساقطات الأخيرة في تخفيف الضغط على السدود والموارد السطحية. فقد ساعدت الأمطار والثلوج على تقوية المخزون المتاح، ودعم قدرة الأحواض على الاستجابة للحاجيات الأساسية.
تحسن ملحوظ في المياه الجوفية
لم يقتصر الانتعاش على الموارد السطحية. فقد سجلت الفرشات المائية بدورها تحسنا واضحا، بعد سنوات من التراجع المتواصل.
وارتفع منسوب المياه الجوفية بما يتراوح بين متر واحد وعشرة أمتار في عدد من الأحواض. وبرز هذا التحسن بشكل خاص في حوض اللوكوس، وفق المعطيات المتوفرة.
وساهم هذا الانتعاش في عودة المياه إلى عدد كبير من الآبار. كما خفف الضغط على الموارد السطحية، وقلص الحاجة إلى تعميق الحفر في بعض المناطق.
ويكتسي هذا المعطى أهمية كبيرة بالنسبة للعالم القروي والقطاع الفلاحي. فعودة المياه إلى الآبار تساعد على تحسين ظروف الاستغلال، وتحد من كلفة البحث عن الماء.
كما يعكس تحسن الفرشات المائية أثر التساقطات الثلجية والمطرية على المخزون الجوفي. غير أن هذا التحسن يحتاج إلى تدبير حذر، حتى لا يعود الاستنزاف إلى المستويات السابقة.
مياه أكثر للسقي والفلاحة
ارتفعت الكميات الموجهة إلى القطاع الفلاحي هذه السنة لتبلغ نحو ملياري متر مكعب. ويمثل هذا الحجم ضعف ما سجل خلال الموسم الماضي.
ويأتي هذا التطور في سياق تحسن عام للموارد المائية المتاحة. كما يمنح الفلاحين هامشا أكبر لتأمين حاجيات عدد من الأنشطة الزراعية.
وتبقى الفلاحة من أكثر القطاعات ارتباطا بتقلبات المناخ. لذلك ينعكس تحسن الموارد المائية مباشرة على الموسم الفلاحي، وعلى قدرة المستثمرات الفلاحية على الاستمرار.
غير أن وفرة المياه خلال موسم معين لا تلغي تحديات الإجهاد المائي. فالمغرب يظل مطالبا بترشيد استعمال المياه، خاصة في السقي، واعتماد تقنيات أكثر نجاعة.
وتشكل هذه المرحلة فرصة لمراجعة أنماط الاستهلاك. كما تمنح الفاعلين مهلة لتقوية السياسات المائية، بدل الاكتفاء بردود الفعل خلال فترات الجفاف.
استثمارات متزايدة في قطاع الماء
يواصل المغرب تعزيز استثماراته في قطاع الماء، لمواجهة التحديات المناخية والمائية. وارتفع الغلاف المالي للبرنامج الوطني للماء 2020-2027 من 115 مليار درهم إلى 143 مليار درهم.
وتجاوز البرنامج هذا السقف فعليا بفضل مشاريع إضافية. وتشمل هذه المشاريع تحلية مياه البحر، وربط الأحواض المائية، وتسريع إنجاز السدود، وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وتعكس هذه الاستثمارات توجها واضحا نحو تنويع مصادر الماء. فلم يعد الرهان قائما فقط على التساقطات والسدود، بل يشمل أيضا التحلية، والربط، وتحسين الحكامة.
وتكتسي تحلية مياه البحر أهمية متزايدة، خاصة في المناطق الساحلية. كما يسمح ربط الأحواض بنقل جزء من الفائض إلى مناطق تعاني خصاصا أكبر.
أما تسريع إنجاز السدود، فيهدف إلى تحسين القدرة على تخزين المياه. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة في ظل تزايد حدة التقلبات المناخية.
أمن مائي مستدام للأجيال المقبلة
تستهدف الجهود الوطنية ضمان تزويد جميع المواطنين بالماء الصالح للشرب. كما تسعى إلى تأمين ما لا يقل عن 80 في المائة من حاجيات مياه السقي.
ويرتبط هذا التوجه بالتوجيهات الملكية الرامية إلى بناء أمن مائي مستدام. ويهم هذا الأمن الأجيال الحالية والمقبلة، خاصة في ظل الضغط المتزايد على الموارد.
ويظهر الموسم الجاري أن التساقطات يمكن أن تمنح انتعاشا مهما. لكنها لا تعوض الحاجة إلى تخطيط طويل المدى، واستثمار متواصل، وترشيد دائم للاستعمال.
لذلك يبقى التحدي الأساسي في تحويل التحسن الحالي إلى فرصة استراتيجية. ويعني ذلك تقوية البنيات، وحماية الفرشات المائية، وتحسين كفاءة استعمال المياه في الفلاحة والصناعة والمنازل.
وبين آثار الجفاف السابقة وانتعاش الموسم الحالي، تدخل الوضعية المائية في المغرب مرحلة جديدة. فالمخزون تحسن، والآبار عادت في مناطق عدة، والاستثمارات تتوسع. غير أن الحفاظ على هذا المكسب يظل رهينا بتدبير صارم ومسؤول للماء، باعتباره موردا حيويا لا يقبل الهدر.




