سجلت أسعار الغذاء العالمية ارتفاعا جديدا للشهر الثاني على التوالي. وقد ربطت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة هذا التطور بتداعيات التوتر في الشرق الأوسط على الطاقة والأسمدة.
ورغم أن الإمدادات الحالية ما تزال مستقرة، فإن القلق يتزايد بشأن كلفة الإنتاج الزراعي في الأشهر المقبلة. كما أن ذلك قد يجر ضغوطا إضافية على الأسواق.
وأعلنت الفاو أن مؤشرها المرجعي، الذي يتابع التغيرات الشهرية في الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية المتداولة عالميا، ارتفع بنسبة 1 في المائة مقارنة مع مستواه المسجل قبل عام. ويعكس هذا المنحى تأثير التوترات الجيوسياسية على نفقات النقل والإنتاج. في وقت كانت فيه الأسواق تراهن قبل الأزمة على تراجع نسبي في أسعار السلع الأساسية.
ارتفاع أسعار الغذاء العالمية لا يرتبط بالإمدادات الحالية
المعطيات الحالية لا تشير إلى نقص حاد في المعروض الغذائي العالمي. فوفرة الإمدادات في عدد من الأسواق جاءت بعد مواسم حصاد جيدة في مناطق إنتاج رئيسية. وقد ساهم ذلك في الحد من صعود أكبر للأسعار. وهذا ما يفسر، وفق الفاو، لماذا لم تتكرر حتى الآن الصدمة السعرية التي عرفها العالم بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022.
لكن المنظمة الأممية ترى أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بما هو متوفر اليوم في الأسواق، بل بما سيحدث لاحقا. فارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة يرفع كلفة تجهيز الموسم الزراعي المقبل. وهو ما قد ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج. ثم ينعكس أيضا على الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك.
وقال ديفيد جورج روبرت لابورد، مدير اقتصاديات الأغذية الزراعية في الفاو، إن التحدي الأبرز حاليا يتمثل في أثر الصراع على الطاقة والأسمدة، موضحا أن الخطر يهم “الغذاء الذي نحتاجه غدا وبعد غد” أكثر من الغذاء الموجود حاليا في السوق.
الأسمدة والطاقة في قلب الأزمة
يرتبط القلق الدولي أساسا بحركة الطاقة والأسمدة عبر مضيق هرمز، الذي يشكل ممرا حيويا للتجارة العالمية في هذا المجال. وترى الفاو أن أي اضطراب طويل في هذا المسار قد يضع المزارعين أمام اختيارات صعبة. فقد يلجؤون إما إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض استعمال الأسمدة.
هذا السيناريو قد يؤدي إلى تراجع المحاصيل في مراحل لاحقة. وعندما تنخفض المردودية الزراعية، ترتفع الأسعار بشكل شبه مباشر. لذلك تحذر المنظمة من أن أثر الأزمة الحالية قد لا يظهر كاملا اليوم، بل في الدورة الإنتاجية المقبلة.
وأضاف لابورد أن ما يصل إلى ثلث الأسمدة المتداولة عالميا يمر عبر مضيق هرمز، إلى جانب نحو 20 في المائة من الغاز الطبيعي المستخدم في صناعة الأسمدة في البلدان المستوردة. وهذا يعني أن أي اختلال في هذا المسار ستكون له كلفة تتجاوز قطاع الطاقة. ويصل تأثيره بسرعة إلى الزراعة ثم إلى موائد المستهلكين.
استقرار هش وتحذير من المستقبل
قبل اندلاع هذه الأزمة، كانت التوقعات تميل إلى انخفاض أسعار السلع الأساسية، مدفوعة بمواسم حصاد جيدة في الولايات المتحدة وآسيا، إلى جانب ارتفاع مستويات المخزون. غير أن هذا المسار بدأ يتعرض لضغط جديد بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج.
وترى الفاو أن الوضع الحالي ما يزال أكثر استقرارا مقارنة بما حدث سنة 2022، لكن هذا الاستقرار يبدو هشا. فاستمرار الصراع، أو تعطل تدفقات الوقود والأسمدة، قد يغير المعادلة بسرعة خلال الأشهر المقبلة.
كما يزداد القلق بسبب عوامل مناخية محتملة، من بينها تأثير ظاهرة النينيو، التي قد تقود إلى موجات جفاف وتؤثر بدورها على مردودية الزراعة في عدد من المناطق. وعندما تجتمع كلفة الأسمدة المرتفعة مع المخاطر المناخية، يصبح الأمن الغذائي أكثر عرضة للضغط.
في المحصلة، لم تصل أسعار الغذاء العالمية بعد إلى مستويات صدمة جديدة. لكن الإشارات الصادرة عن الفاو توضح أن الخطر لم يعد نظريا. فالأسواق تبدو مستقرة اليوم، غير أن تكلفة إنتاج الغذاء في المستقبل بدأت ترتفع. لهذا السبب، تصبح الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان العالم مقبلا على موجة غلاء جديدة أم أن الإمدادات الجيدة ستنجح في امتصاص الصدمة.




