عبدالسلام الصديقي
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، احتضنت مدينة فاس يومي 27 و28 أبريل 2026 أشغال “لقاءات الجامعة الأورومتوسطية بفاس حول تحالف الحضارات”. وقد نظمت اللقاءات تحت عنوان: “مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي”.
وقد عرفت هذه التظاهرة الدولية مشاركة 2100 شخص، من بينهم شخصيات سياسية ودبلوماسية وأكاديمية رفيعة المستوى من 74 دولة. كما شارك خبراء وباحثون وممثلون عن المجتمع المدني، فضلاً عن حضور أكثر من 1400 شاب وشابة.
وشكلت هذه اللقاءات منصة دولية متعددة التخصصات للحوار والتفكير الاستراتيجي حول التحولات العميقة التي تفرضها الثورة الرقمية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، على مختلف أبعاد الحياة الإنسانية. وشملت هذه الأبعاد أنماط الحكامة، والنماذج الاقتصادية، والتوازنات الجيوسياسية، والأنساق الثقافية.
فيما يلي ملخص لمداخلتي في هذا اللقاء.
الذكاء الاصطناعي: تحول جذري يعيد تشكيل العالم
يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه اليوم كتحول رئيسي، يمكن مقارنته بالثورات الصناعية السابقة، إن لم يكن امتداداً لها. فقد أدى تطوره السريع، المدعوم بانتشار التعلم العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي، إلى طفرة في الإنتاج العلمي وارتفاع كبير في اهتمام الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين.
وتعكس هذه الدينامية في آن واحد الإمكانات الهائلة لهذه التكنولوجيا والشكوك العميقة المحيطة بتأثيراتها. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح يعيد تشكيل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهذا يفرض قراءة متوازنة بين الفرص والمخاطر.
الهدم الخلاق
على الصعيد الاقتصادي، يحمل الذكاء الاصطناعي إمكانيات ضخمة لخلق الثروة، على غرار الثورات الصناعية السابقة. إذ يعد بتحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية، وتحسين استغلال الموارد، وتسريع الابتكار.
وتشير بعض التقديرات إلى إمكانية إضافة قيمة بمليارات الدولارات بحلول عام 2030. كما يتيح الذكاء الاصطناعي تقليص التكاليف، وتحسين اتخاذ القرار، وتطوير منتجات وخدمات أكثر ملاءمة لحاجيات السوق. ويضاف إلى ذلك مساهمته المحتملة في مواجهة تحديات كبرى مثل الفقر والأمراض والتغير المناخي.
غير أن هذه الوعود تظل نسبية. فالتجارب الحالية تُظهر أن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ما تزال محدودة، وأن عدداً كبيراً من الشركات لم يحقق بعد أثراً ملموساً، كما أن العديد من المشاريع لا تحقق العائد المتوقع.
ويكشف هذا الفارق بين التوقعات والواقع أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة التجريب، مع تكاليف مرتفعة وحالات استخدام غير مستقرة.
التعليم والصحة: تحولات عميقة
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل النظام التعليمي بشكل جذري. ففي ظل تسارع تقادم المهارات، يصبح التعلم المستمر ضرورة حتمية. ويتعين على الأفراد تطوير مهارات شاملة مثل التفكير النقدي والقدرة على التكيف والتفاعل مع الأنظمة الذكية.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى أداة بيداغوجية قوية، قادرة على تخصيص مسارات التعلم ورصد صعوبات المتعلمين في الزمن الحقيقي. وهذا يفرض إعادة هيكلة عميقة للأنظمة التعليمية.
أما في قطاع الصحة، فقد أحرز الذكاء الاصطناعي تقدماً كبيراً في التشخيص والتصوير الطبي والوقاية والبحث الدوائي. ويساهم هذا في تحسين دقة العلاج وتقليل التكاليف وتخفيف الضغط على الموارد البشرية.
ومع تطور البيولوجيا الاصطناعية، تبرز آفاق ثورية مثل إنتاج أعضاء صناعية أو تعديل جيني أو تصميم كائنات حية جديدة، لكنها تطرح في المقابل إشكالات أخلاقية معقدة.
سوق العمل: بين الإزاحة والخلق
يشهد سوق العمل تحولات متناقضة بفعل الذكاء الاصطناعي. فهو يدمر بعض الوظائف، خاصة المرتبطة بالمهام المتكررة، لكنه في المقابل يخلق وظائف جديدة في مجالات البيانات والهندسة وأخلاقيات التكنولوجيا، في إطار ما يسمى بـ”الهدم الخلاق”.
غير أن هذا التحول يفرض كلفة اجتماعية مهمة، تتطلب سياسات عمومية مواكبة، خاصة في مجالات التكوين والحماية الاجتماعية. كما يطرح النقاش حول إمكانية اعتماد أدوات مثل “الدخل الأدنى الشامل” للتخفيف من آثار هذا الانتقال.
تركيز الثروة والسلطة
بالتوازي مع هذه الفرص، تبرز مخاطر عميقة، في مقدمتها تركيز الثروة والسلطة. إذ تهيمن الشركات التكنولوجية الكبرى على القطاع، وتستحوذ على الحصة الأكبر من الأرباح. وهذا يعمق الفوارق الاجتماعية ويضعف التماسك المجتمعي.
هذا التركيز الاقتصادي يترافق مع مخاطر سياسية، إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التلاعب بالمعلومات والتأثير على الرأي العام وإضعاف المسارات الديمقراطية، خاصة في ظل احتكار البيانات والخوارزميات.
عسكرة الذكاء الاصطناعي
يشكل المجال العسكري أحد أخطر أوجه استخدام الذكاء الاصطناعي، مع تطور أنظمة الأسلحة الذاتية القادرة على اتخاذ القرار دون تدخل بشري.
ويثير هذا التطور إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة، خاصة مع ما يسمى بـ”تجميل الحرب” أو تحويل النزاعات إلى أشبه بألعاب فيديو. هذا يقلل من إدراك خطورة العنف.
كما يحذر بعض الباحثين من إمكانية اندلاع سباق تسلح جديد يهدد الاستقرار الجيوسياسي العالمي.
الحوكمة الدولية: ضرورة ملحة
في مواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى حوكمة دولية فعالة. وقد أطلقت عدة مبادرات في هذا الاتجاه، من بينها إنشاء لجنة علمية دولية تابعة للأمم المتحدة، واقتراح صندوق عالمي لتقليص الفجوات الرقمية.
كما تعمل اليونسكو على وضع إطار أخلاقي قائم على الشفافية والمسؤولية. وفي الوقت نفسه اعتمد الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي القائم على مقاربة المخاطر.
ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أهمية توجيه الذكاء الاصطناعي نحو التنمية الشاملة، من خلال الاستثمار في التعليم والصحة وتعزيز المؤسسات الدامجة.
غير أن هذه الجهود تصطدم بقوة المصالح الاقتصادية الكبرى، ما يجعل تنظيم هذا المجال تحدياً عالمياً معقداً.
في النهاية، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية كبرى، لكنه في الوقت ذاته مصدر لمخاطر عميقة. فهو قادر على تحسين جودة الحياة وحل مشكلات عالمية، لكنه قد يعمق الفوارق ويهدد التوازنات الديمقراطية ويعيد تشكيل مفهوم الإنسانية ذاته.
وتظل الإشكالية الأساسية في قدرة المجتمعات على تنظيم هذه التكنولوجيا وتوجيهها بما يخدم الصالح العام، مع ضمان وضع الإنسان في قلب هذا التحول. وبدون حكامة دولية قوية وفعالة، قد يتحول الذكاء الاصطناعي من رافعة للتقدم إلى عامل لتعميق الاختلالات.




