عبدالسلام الصديقي
كشف تقرير سنة 2025 الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، المعروف اختصاراً بـ“SIPRI”، عن تسارع مقلق في وتيرة سباق التسلح العالمي. يبرز ذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتعدد بؤر النزاع عبر العالم.
ويُعد التقرير مرجعاً دولياً أساسياً لرصد تطور النفقات العسكرية منذ سنة 1988. فهو يتابع بدقة حجم الإنفاق العمومي الموجه للقوات المسلحة والتسليح والبحث العسكري والبنيات الدفاعية.
ارتفاع متواصل في الإنفاق العسكري العالمي
واصل الإنفاق العسكري العالمي ارتفاعه للسنة الحادية عشرة على التوالي. بلغ حوالي 2887 مليار دولار سنة 2025، بزيادة بلغت 2.9 في المائة مقارنة بالسنة الماضية.
ورغم تسجيل الولايات المتحدة تراجعاً نسبياً في نفقاتها العسكرية، فإن أوروبا وآسيا واصلتا رفع ميزانيات الدفاع بوتيرة سريعة. ارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة، مقابل 8.1 في المائة في منطقة آسيا وأوقيانوسيا.
كما استحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، بما مجموعه 1480 مليار دولار.
ويعكس هذا الارتفاع المتواصل توجهاً عالمياً نحو تعزيز القدرات العسكرية وتحويل جزء متزايد من الموارد العمومية إلى قطاع الدفاع. يحدث ذلك خاصة مع تصاعد المخاوف الأمنية وعدم الاستقرار الدولي.
الولايات المتحدة تحافظ على الصدارة العسكرية
بلغت النفقات العسكرية الأمريكية حوالي 954 مليار دولار، أي ما يقارب ثلث الإنفاق العسكري العالمي. جاء هذا رغم تسجيل انخفاض بنسبة 7.5 في المائة مقارنة بسنة 2024.
ويرتبط هذا التراجع أساساً بانخفاض المساعدات العسكرية الموجهة إلى أوكرانيا. خصصت واشنطن خلال السنوات الثلاث الماضية حوالي 127 مليار دولار لدعم كييف.
ورغم ذلك، واصلت الولايات المتحدة تعزيز استثماراتها العسكرية، خاصة في مجالات التسلح النووي والتكنولوجيا الدفاعية المتقدمة. يتم ذلك بهدف الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي أمام التوسع الصيني.
وتشير التوقعات إلى احتمال تجاوز الميزانية العسكرية الأمريكية حاجز 1000 مليار دولار خلال سنة 2026.
أوروبا تقود موجة إعادة التسلح
تحولت أوروبا إلى المحرك الرئيسي لارتفاع الإنفاق العسكري العالمي، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وبلغت النفقات العسكرية الأوروبية حوالي 864 مليار دولار، بزيادة بلغت 14 في المائة. رفعت عدة دول أوروبية ميزانياتها الدفاعية بشكل غير مسبوق.
وسجلت ألمانيا ارتفاعاً بنسبة 24 في المائة لتصل ميزانيتها العسكرية إلى 114 مليار دولار. بينما رفعت إسبانيا إنفاقها العسكري بنسبة 50 في المائة.
كما عززت فرنسا بدورها ميزانية الدفاع لتبلغ 68 مليار دولار. في وقت تواصل فيه دول حلف شمال الأطلسي رفع إنفاقها العسكري استجابة للمتغيرات الأمنية الجديدة.
الصين وآسيا.. سباق نفوذ متصاعد
تواصل الصين تعزيز قوتها العسكرية بوتيرة متسارعة. بلغت ميزانيتها الدفاعية حوالي 336 مليار دولار سنة 2025، في إطار سعيها لتوسيع نفوذها الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، رفعت اليابان وتايوان بدورهما نفقاتهما العسكرية، بسبب تصاعد التوترات في بحر الصين وقضية تايوان.
ويؤكد هذا الوضع أن آسيا دخلت بدورها مرحلة سباق تسلح مشابهة لما تعيشه أوروبا. تصاعدت المخاوف من اندلاع أزمات إقليمية جديدة.
الشرق الأوسط يواصل تعزيز ترسانته العسكرية
بلغت النفقات العسكرية في الشرق الأوسط حوالي 218 مليار دولار، وسط استمرار التوترات الإقليمية والصراعات المفتوحة.
وحافظت إسرائيل على مستوى مرتفع من الإنفاق العسكري بلغ 48.3 مليار دولار، بزيادة كبيرة مقارنة بسنة 2022.
في المقابل، واصلت المملكة العربية السعودية تصدرها للإنفاق العسكري عربياً بميزانية بلغت 83 مليار دولار، لتحتل المرتبة الثامنة عالمياً.
أما إيران، فقد أظهرت الأرقام تراجعاً ظاهرياً في الإنفاق العسكري، غير أن التضخم المرتفع يخفي الحجم الحقيقي للنفقات الدفاعية.
التنافس المغربي الجزائري يرفع الإنفاق العسكري
شهدت إفريقيا بدورها ارتفاعاً في النفقات العسكرية بنسبة 8.5 في المائة، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الأمنية بعدد من مناطق القارة.
واستحوذت منطقة شمال إفريقيا على نحو 60 في المائة من إجمالي الإنفاق العسكري الإفريقي. وصل ذلك إلى ما يقارب 35 مليار دولار سنة 2025.
وتصدرت الجزائر دول المنطقة بميزانية عسكرية بلغت 25.4 مليار دولار، بينما بلغت ميزانية المغرب العسكرية حوالي 6.3 مليارات دولار.
ويرى التقرير أن هذا التفاوت الكبير في الإنفاق يعكس استمرار التوترات الإقليمية في منطقة المغرب الكبير. كما يطرح تساؤلات حول تأثير هذه النفقات على الاستثمار الاجتماعي والاقتصادي.
المجمع الصناعي العسكري المستفيد الأكبر
أكد التقرير أن تصاعد سباق التسلح العالمي يخدم بشكل مباشر مصالح المجمع الصناعي العسكري. يحقق هذا القطاع أرباحاً ضخمة من استمرار النزاعات والتوترات الدولية.
وهيمنت الولايات المتحدة على صادرات السلاح العالمية بنسبة 42 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025. تليها فرنسا ثم روسيا والصين.
كما بلغت مبيعات أكبر مائة شركة أسلحة في العالم حوالي 679 مليار دولار سنة 2024. يؤكد هذا الحجم الهائل لهذا القطاع الاقتصادي.
ولا تخضع سوق السلاح فقط لمنطق العرض والطلب، بل تتحكم فيها أيضاً اعتبارات سياسية واستراتيجية وتحالفات جيوسياسية معقدة.
نهاية “عائد السلام”
تكشف معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة التسلح الشامل. هذا مؤشر واضح على نهاية مرحلة “عائد السلام” التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.
وتتجه عدة دول اليوم نحو بناء اقتصادات حرب، مع تزايد الاعتماد على الصناعات العسكرية وتعاظم الإنفاق الدفاعي. في الوقت ذاته تتراجع أولويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وفي المقابل، يستفيد المجمع الصناعي العسكري العالمي من هذه التحولات، عبر توسيع نفوذه الاقتصادي والسياسي. يستفيد أيضاً من استمرار الأزمات الدولية وتفاقم النزاعات عبر العالم.




