كشفت مناقشة حصيلة العمل الحكومي بمجلس المستشارين عن تباين واضح في مواقف المكونات الحزبية، بين فرق الأغلبية التي أشادت بما وصفته بجرأة التدبير الحكومي في تنزيل الأوراش الكبرى. بينما اعتبرت فرق المعارضة أن الأثر التنموي والاجتماعي لهذه الحصيلة ظل محدودا في حياة المواطنين اليومية.
وجاء هذا النقاش خلال جلسة عمومية انعقدت، أمس الثلاثاء، بعد العرض الذي قدمه رئيس الحكومة عزيز أخنوش في الجلسة المشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين. كما برز خلال المناقشة انقسام سياسي واضح بين من اعتبر الحصيلة منجزا تحقق في ظرفية استثنائية. في المقابل رأى البعض أنها لم تنعكس بما يكفي على التشغيل والأسعار وجودة الخدمات.
حصيلة العمل الحكومي بمجلس المستشارين تثير نقاشا واسعا
اعتبرت فرق الأغلبية أن الحكومة اشتغلت في سياق وطني ودولي معقد، اتسم بتداعيات الأزمات الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية. ورغم ذلك، سجلت أن هذا السياق لم يمنعها من مواصلة تنزيل الإصلاحات الكبرى. كما واصلت تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني، وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية.
في المقابل، شددت مكونات المعارضة على أن أي تقييم موضوعي للحصيلة يجب أن ينطلق من أثرها الفعلي على معيش المواطنين. وأكدت أن المعيار الحقيقي لا يتعلق فقط بعرض الأرقام والمؤشرات. بل بمدى انعكاس السياسات العمومية على القدرة الشرائية، وفرص الشغل، والخدمات الأساسية.
ويظهر من خلال هذا السجال أن النقاش لم يكن تقنيا فقط، بل حمل حمولة سياسية واضحة، مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة وارتفاع منسوب الجدل حول حصيلة الولاية الحكومية الحالية.
الأحرار: الحكومة نجحت في ظروف استثنائية
أكد فريق التجمع الوطني للأحرار أن الحكومة اشتغلت تحت تأثير تحديات جيوسياسية ومناخية صعبة، لكنها نجحت في مختلف الأوراش التي باشرتها. وركز الفريق على ملفات تعميم الحماية الاجتماعية. كما ركز على إصلاح المنظومة الصحية، ودعم الاستثمار العمومي والخاص، وتحفيز التشغيل.
كما سجل أن العمل الحكومي شمل أيضا مواصلة إصلاح مجالات الحريات والحقوق. وجاء ذلك من خلال تفعيل الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة والسياسات الجنائية.
وأضاف الفريق أن الحكومة حققت، أيضا، نتائج مهمة في مجال المجتمع المدني، عبر تقوية قدرات الجمعيات وتثمين أدوارها وإشراكها في السياسات العمومية. كما أشاد بما وصفه بالدينامية غير المسبوقة التي عرفها القطاع التعاوني والصناعة التقليدية، إلى جانب تنشيط الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خلال برامج استحضرت البعد الترابي وتنوع جهات المملكة.
الأصالة والمعاصرة: المنجزات تقاس أيضا بسياقها
من جهته، اعتبر فريق الأصالة والمعاصرة أن أهمية ما تحقق لا تكمن فقط في الأرقام. بل أيضا في الظروف الصعبة التي تحققت فيها هذه الحصيلة. وأوضح أن الحكومة نجحت في الموازنة بين ثلاث ركائز أساسية، هي تنزيل الأوراش المهيكلة الكبرى، وتنفيذ البرنامج الحكومي. بالإضافة إلى التدخل لمواجهة المستجدات بقرارات وصفها بالجريئة.
وسجل الفريق أن المغرب أصبح، خلال هذه الولاية، قبلة للثقة في الاستثمارات العمومية والخاصة، ونموذجا في مواجهة تحديات ندرة الماء، وفي الحكامة المالية والاقتصادية.
كما ربط الفريق هذه الحصيلة بما اعتبره تقدما في تعميم الحماية الاجتماعية والصحية، من خلال تخصيص مساعدات مالية مباشرة للأسر الفقيرة والهشة، وإعادة بناء مقومات الدولة الاجتماعية.
الاستقلالي: الحكومة نجحت في تدبير الاستثناء
بدوره، شدد الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية على أن الحكومة اشتغلت في ظرفية دقيقة تداخلت فيها أزمات اقتصادية ومناخية وجيوسياسية. واعتبر أن أهم ما يميز تدبيرها هو النجاح في التعامل مع الاستثناء من دون ارتباك. كما أبرز قدرتها في تحويل جزء من الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات.
كما نوه الفريق بمواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى، وتعزيز ثقة الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين والدوليين. واعتبر أن تحقيق خطوات مهمة جاء لتحسين جاذبية الاقتصاد الوطني عبر تسريع وتيرة الإصلاح في العدالة والإدارة وتحسين نجاعة الاستثمار العمومي.
وأضاف أن قيمة هذه الحصيلة لا تتجلى فقط في ما تحقق خلال الولاية الحالية، بل أيضا في قدرتها على أن تشكل أرضية للمرحلة المقبلة.
المعارضة: الحصيلة دون مستوى الانتظارات
في الجهة المقابلة، عبر الفريق الحركي عن موقف نقدي واضح، معتبرا أن فرص النجاح غير المسبوق التي توفرت للتحالف الحكومي كانت أكبر بكثير من الحصيلة التنموية والترابية والحقوقية والسياسية المحققة.
وانتقد الفريق ما اعتبره توسيعا لمداخيل الميزانية عبر الرفع من حجم الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي تمس المواطنين. كما انتقد اعتماد سعر ضريبي موحد للمقاولات دون مراعاة أحجامها وخصوصياتها.
كما أثار مسألة اللجوء إلى التمويلات المبتكرة، التي قال إنها تجاوزت 120 مليار درهم. واعتبر أن الحكومة لم تكشف بما يكفي عن لوائح المؤسسات العمومية المعنية ولا عن أطراف هذه العمليات المالية.
الفريق الاشتراكي يركز على التشغيل والحماية الاجتماعية
أما الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، فأكد أن التقييم الموضوعي للحصيلة يقتضي مقارنة دقيقة بين الوعود المعلنة والنتائج المحققة. خاصة في مجال التشغيل.
وأوضح أن المقارنة تكشف، بحسب قراءته، وجود تباين بين مناصب الشغل المتوقعة ومناصب الشغل التي تم إحداثها فعليا على أرض الواقع.
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، اعتبر الفريق أن الحصيلة الحكومية لم تقدم ما يكفي من الأرقام الدقيقة حول نسبة التغطية الفعلية. كما لم توضح عدد المستفيدين الذين يلجون فعلا إلى العلاج. ولم تقدم نسبة تقليص النفقات الصحية المباشرة للأسر.
وشدد على أن جوهر الإصلاح الاجتماعي لا يقاس فقط بعدد المسجلين في الأنظمة. بل بمدى حصول المواطن على العلاج في آجال معقولة، واستفادته من خدمات ذات جودة وكلفة أقل.
المساندة النقدية تدعو إلى التركيز على المعيش اليومي
من جانبها، اعتبرت مجموعة الدستوري الديمقراطي الاجتماعي أن تقييم الحصيلة الحكومية يجب أن يتم بموضوعية. وسجلت أن ما تحقق خلال الولاية الحالية يعكس حصيلة وصفتها بـ”الجيدة”. وهذا يؤكد أن المغرب يواصل مساره التنموي بشكل تدريجي.
لكن المجموعة أثارت، في المقابل، مسألة التفاوتات الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة. وأكدت أن الأثر الحقيقي للسياسات العمومية يجب أن يقاس بمدى انعكاسه على الواقع اليومي للمواطنين.
ودعت إلى إيلاء هذا الجانب أهمية قصوى، حفاظا على التوازنات الاجتماعية والاستقرار، في موقف يجمع بين الإقرار ببعض المكتسبات والتنبيه إلى استمرار ضغوط المعيش.
سجال سياسي يعكس رهانات المرحلة
يعكس النقاش الذي شهده مجلس المستشارين حول الحصيلة الحكومية حجم الاستقطاب السياسي بشأن تقييم الولاية الحالية. فالأغلبية تميل إلى قراءة الحصيلة من زاوية الظرفية الصعبة والمنجزات الهيكلية. في المقابل تصر المعارضة على قياسها من زاوية الأثر المباشر على حياة المواطنين.
وبين منطق الدفاع عن الإصلاحات ومنطق مساءلة نتائجها الاجتماعية، يبدو أن النقاش حول حصيلة العمل الحكومي دخل مرحلة أكثر حساسية. حيث لم تعد الأرقام وحدها كافية لحسم التقييم بل صار المعيش اليومي للمواطنين في قلب الجدل السياسي.




