رغم تعدد الملفات التي تناولها رئيس الحكومة عزيز أخنوش في حواره التلفزيوني الأخير، الذي بث مساء الأربعاء 10 سبتمبر 2025، إلا أن الثقافة غابت بشكل كلي عن هذا اللقاء الإعلامي، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول موقع الثقافة في السياسات العمومية، ومدى التزام الحكومة بالوعود السابقة التي قطعتها على نفسها للنهوض بهذا القطاع الحيوي.
البرنامج الخاص الذي دام أكثر من ساعة وشاهده ملايين المغاربة، ركز بشكل واضح على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، من تشغيل، وقدرة شرائية، ودعم اجتماعي، وإصلاح التعليم. ورغم أن هذه الملفات تحظى بأهمية كبيرة في السياق السياسي والاجتماعي الحالي، فإن غياب أي إشارة صريحة إلى الثقافة باعتبارها قطاعاً مستقلاً واستراتيجياً يثير تساؤلات مشروعة حول مدى إدراك الحكومة لأهمية البعد الثقافي في التنمية الشاملة.
كان لافتاً أن رئيس الحكومة استعرض مشاريع مثل “مدارس الريادة”، وتوفير الكتب المدرسية بأسعار رمزية، وتوجيه الدعم مباشرة إلى التلاميذ، وهي مبادرات تُحسب للحكومة في بعدها التربوي والاجتماعي، لكنها تندرج أساساً ضمن إصلاح منظومة التعليم، ولا تعكس رؤية متكاملة للثقافة بوصفها رافعة للتنمية، ومجالاً للإبداع، ومصدراً للهوية الجماعية. غياب هذه الرؤية يطرح إشكالاً حقيقياً، خاصة وأن أخنوش نفسه صرّح سنة 2022 بأن القطاع الثقافي يعاني من “مواطن تقصير” تحتاج إلى إصلاح.
الوعود السابقة التي أطلقها رئيس الحكومة والتي شملت وضع سياسة ثقافية مندمجة، وتأهيل المرافق العمومية الثقافية، وتحفيز الإنتاج الإبداعي، واحترام التنوع الثقافي، لم تجد صدى لها في الخطاب الأخير. وهو ما يمكن اعتباره مؤشراً على تراجع هذا الملف في سلم الأولويات، أو على الأقل على غياب الإرادة السياسية الكافية لترجمته إلى سياسات فعلية وبرامج ميدانية.
المفارقة أن الحديث عن التنمية لا يكتمل دون الحديث عن الثقافة. فالشباب المغربي الذي ينتظر فرص شغل، يحتاج أيضاً إلى فضاءات للتعبير والإبداع، والمغاربة الذين يطالبون بالخدمات الأساسية، يحتاجون إلى مكتبات ومسارح ومراكز ثقافية تُغني حياتهم اليومية. التجربة الدولية أثبتت أن الاستثمار في الثقافة يعود بفوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة، من خلق فرص الشغل في الصناعات الثقافية والإبداعية، إلى تعزيز السياحة الثقافية، وتقوية النسيج الاجتماعي.
في مرحلة دقيقة تسبق استحقاقات انتخابية جديدة، يبدو ضرورياً إعادة طرح سؤال الثقافة بقوة على الساحة السياسية. فالمجتمع الذي يُراهن فقط على تحسين المؤشرات الاقتصادية، دون تقوية بنيته الثقافية، هو مجتمع يواجه خطر التهميش والفراغ القيمي. لأن الثقافة ليست ترفاً يمكن تأجيله، بل هي أساس متين لأي مشروع تنموي متكامل، يراهن على الإنسان كفاعل وكمواطن.




