في خطوة بدت تقنية في ظاهرها، لكنها تحولت سريعاً إلى مادة دسمة للنقاش السياسي، حيث فجّر قرار وزير النقل واللوجستيك، محمد قيوح، القاضي بتحديد السرعة القصوى للدراجات النارية أزمة صامتة داخل الحكومة، خاصة بعد التراجع عنه، بطريقة غير معتادة، عبر تسريب إعلامي نُسب إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش. هذا الحدث، الذي يبدو، شكلا، صغيراً، حمل، في الجوهر، أبعاداً سياسية عميقة، تتعلق بتوازن القوى داخل الجهاز التنفيذي، وأيضا، بطبيعة العلاقة بين القرار التقني والحسابات الانتخابية في المغرب.

الوزير قيوح، المنتمي لحزب الاستقلال، أعلن عن قرار تحديد السرعة القصوى استناداً إلى تقارير أمنية ومرورية، تؤكد ارتفاع عدد الحوادث المرتبطة بالدراجات النارية، في السنوات الأخيرة، معتبراً أن الإجراء الجديد يندرج ضمن استراتيجية شاملة لتحسين السلامة الطرقية. مؤيدو القرار رأوا فيه خطوة شجاعة نحو تنظيم حركة هذه الدراجات، التي باتت تمثل خطرا وتهديداً حقيقيين على الطرقات، سواء في المدن الكبرى أو في الأحياء الشعبية التي تشهد كثافة مرورية مرتفعة.

غير أن دخول رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، على الخط، ليس عبر بلاغ رسمي أو في اجتماع حكومي، بل من خلال تسريب إعلامي، للتراجع عن القرار، أثار الكثير من علامات الاستفهام حول دوافع هذا التدخل وشكله. إذ في الوقت الذي انتظر فيه الرأي العام توضيحاً رسمياً، جاء التسريب ليقدم صورة لرئيس الحكومة كـ”بطل” ينصت لنبض الشارع، ويتخذ موقفا بالتراجع عن “قرار غير شعبي”، في مشهد اعتبره البعض استعراضاً سياسياً انتخابيا محسوباً يعزز مكانته، عشية استحقاقات انتخابية مرتقبة.

هذا الموقف – التراجع أثار استياءً داخل الأوساط السياسية، لا سيما داخل حزب الاستقلال، الذي وجد نفسه في وضع محرج، بين الدفاع عن وزيره وحفظ تماسك الأغلبية الحكومية. في الوقت الذي ساد صمت رسمي من الحزب، تعالت أصوات من داخله تطالب بالرد على ما اعتبرته إهانة سياسية، وتقليلاً من قيمة القرارات الوزارية، خصوصاً إذا كانت تستند على معطيات تقنية وميدانية. واعتبر بعض المحللين أن هذه الحادثة تكشف خللاً بنيوياً في التنسيق داخل الحكومة، حيث تُتخذ القرارات، أحياناً، بشكل فردي وتُلغى بأساليب تفتقر إلى الشفافية المؤسسية.

إن التعاطي مع ملف تحديد السرعة للدراجات النارية، بهذه الطريقة والأسلوب، وخاصة ما يتعلق بـ(التسريب)، يسلط الضوء على معضلة كبرى، وهي تداخل القرارات التقنية بالحسابات السياسوية والانتخابوية، ما يجعل من سلامة المواطنين، أحياناً، ورقة تفاوض ضمن معادلات السلطة. فبدلاً من أن تكون هذه القرارات نابعة من رؤية استراتيجية، تتحول إلى أدوات للمزايدة أو الاستعراض، وهو ما يضعف ثقة المواطن في جدية العمل الحكومي، خاصة عندما يصبح الحفاظ على أمن المقعد (الموقع) أهم من الحفاظ على أمن وسلامة المواطن.

في المقابل، يرى بعض المتابعين أن ما جرى يمثل مؤشراً على قوة الرقابة الشعبية والقدرة على الضغط من خلال الرأي العام، ما يدفع السياسيين إلى مراجعة قراراتهم. لكن هذا لا يخفي حقيقة أن طريقة التراجع تُظهر ارتباكاً في اتخاذ القرار، وتفتح الباب أمام تشكيك أوسع في آليات العمل داخل الحكومة، خاصة عندما تتخذ قرارات مصيرية ثم تُلغى، عن طريق “تسريب”، لأهداف انتخابوية، دون حوار مؤسسي واضح.

يبقى الأكيد أن قضية تحديد السرعة القصوى للدراجات النارية لم تعد مجرد ملف مروري، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على احترام التنسيق الداخلي، وفصل القرارات التقنية عن المناورات السياسية. كما أنها تضع أمام رئيس الحكومة تحدياً حقيقياً: هل سيستمر في إدارة الملفات بأسلوب فردي يثير الجدل أم سيتجه نحو ترسيخ حكامة تشاركية تحترم المؤسسات وتضع المواطن، فعلاً، في صلب الاهتمام؟