دعا عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير التشغيل السابق، إلى إصلاح منظومة الحماية من البطالة بالمغرب، والانتقال من نظام التعويض عن فقدان الشغل إلى نظام أكثر شمولا يقوم على التأمين ضد البطالة. وذلك بما يضمن حماية اجتماعية أوسع للعاطلين عن العمل والباحثين عن الشغل.

الحماية من البطالة حق اجتماعي واقتصادي

وأكد الصديقي، في مقال تحليلي حول الحماية من البطالة، أن هذه الأخيرة تعد حقا من حقوق الإنسان وحقا اجتماعيا واقتصاديا تم تكريسه في عدد من الصكوك الدولية. من بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966.

وأوضح أن مسؤولية توفير الحماية من البطالة تقع على عاتق الحكومات والشركاء الاجتماعيين. سواء عبر آليات التأمين الاجتماعي أو من خلال أنظمة ممولة من الضرائب. وذلك بهدف ضمان دخل للأشخاص الذين يجدون أنفسهم غير قادرين على الحصول على عمل لائق.

نصف دول العالم فقط تتوفر على أنظمة للحماية من البطالة

وأشار الصديقي إلى أن 93 بلدا وإقليما فقط في العالم تتوفر على أنظمة للحماية من البطالة. تعتمد أساسا على التأمين الاجتماعي، فيما تلجأ بعض البلدان إلى أنظمة ممولة من الضرائب أو تجمع بين النظامين معا.

وأضاف أن الحماية من البطالة تتم أساسا عبر أنظمة التأمين الاجتماعي في 87 بلدا، بينما تعتمد 38 دولة أنظمة منسقة بين التأمين الاجتماعي والتمويل الضريبي. في حين توجد ست دول تعتمد أنظمة تعويضات البطالة الممولة من الضرائب. وهي روسيا الاتحادية ونيوزيلندا وأندورا وأستراليا وسيشل وتونس.

وسجل أن 101 بلد وإقليم لا تتوفر على أنظمة للحماية من البطالة. رغم أن عددا منها يعتمد تعويضات عن فقدان العمل أو آليات مشابهة تمول في بعض الأحيان من خلال صناديق إلزامية يساهم فيها المشغلون.

عاطل واحد من كل ستة يستفيد من التعويضات

واستنادا إلى تقرير منظمة العمل الدولية حول الحماية الاجتماعية للفترة 2024-2026. أوضح الصديقي أن عاملا واحدا فقط من أصل عاملين يتمتع بتغطية قانونية في مجال الحماية من البطالة. بينما لا يتجاوز عدد المستفيدين الفعليين من التعويضات 16.7 في المائة من مجموع العاطلين عن العمل عبر العالم.

وأضاف أن هذه النسبة تصل إلى 56.1 في المائة في البلدان ذات الدخل المرتفع، مقابل 2.5 في المائة فقط في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و0.2 في المائة في البلدان منخفضة الدخل.

أما في شمال إفريقيا، فأشار إلى أن نسبة المستفيدين من تعويضات البطالة لم تتجاوز 2.9 في المائة سنة 2023 مقابل 2.1 في المائة سنة 2015. في حين لا تتعدى نسبة التغطية في العالم العربي 1.2 في المائة.

وأكد أن أكثر من 168 مليون عاطل عن العمل في العالم لا يستفيدون من أي تعويض عن البطالة، من بينهم 102 مليون رجل و66 مليون امرأة.

فئات واسعة ما زالت خارج مظلة الحماية

وأرجع ضعف التغطية إلى صرامة شروط الاستفادة المعتمدة في عدد من الأنظمة. فضلا عن استبعاد بعض القطاعات الاقتصادية وأنواع العقود، إضافة إلى حرمان فئات واسعة مثل الشباب والعاملين لحسابهم الخاص وعمال المنصات الرقمية والعاملين في القطاع الفلاحي والعمال المهاجرين من أي شكل من أشكال الحماية ضد البطالة.

نظام التعويض عن فقدان الشغل بالمغرب منذ 2014

وبخصوص التجربة المغربية. أوضح الصديقي أن المغرب أطلق سنة 2014 نظام التعويض عن فقدان الشغل، ليكون آنذاك من بين الدول النامية القليلة التي تتوفر على مثل هذا النظام.

وأضاف أن الهدف من إحداث هذا النظام كان توفير آلية مستدامة وقابلة للتمويل الذاتي. مع توقع استفادة نحو 30 ألف شخص سنويا بكلفة تناهز 500 مليون درهم.

شروط صارمة للاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل

غير أن شروط الاستفادة، بحسب الصديقي، جاءت صارمة للغاية، إذ يشترط على الأجير التوفر على 780 يوما من الاشتراك المصرح به خلال 36 شهرا السابقة لفقدان العمل، منها 260 يوما خلال الاثني عشر شهرا الأخيرة.

وأشار إلى أن مبلغ التعويض يعادل 70 في المائة من الأجر المرجعي، أي متوسط أجور الأشهر الستة والثلاثين الأخيرة، وذلك في حدود الحد الأدنى القانوني للأجر.

كما يتعين على المستفيد إيداع طلب الاستفادة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي داخل أجل 60 يوما من تاريخ فقدان الشغل، مع إلزامه بإشعار الصندوق في حالة استئناف العمل داخل أجل ثمانية أيام.

وأوضح أن هذا النظام يضمن أيضا استمرار الاستفادة من التغطية الصحية والتعويضات العائلية واحتساب فترة الاستفادة ضمن التقاعد.

تمويل محدود ينعكس على قيمة التعويضات

وأشار إلى أن النظام ممول بنسبة اشتراك لا تتجاوز 0.57 في المائة من الأجر في حدود سقف 6000 درهم، يتحمل المشغل 0.38 في المائة منها، فيما يؤدي الأجير 0.19 في المائة فقط.

واعتبر الصديقي أن نظام التعويض عن فقدان الشغل يمثل مكسبا اجتماعيا مهما في تاريخ الحماية الاجتماعية بالمغرب، لكنه يظل محدود الولوج بسبب صرامة شروط الاستفادة وضعف التغطية ومحدودية مبلغ التعويض وغياب منظومة متكاملة لمواكبة العاطلين عن العمل.

ورش تعميم الحماية الاجتماعية ورهان التأمين ضد البطالة

وفي سياق حديثه عن ورش الحماية الاجتماعية. ذكر الصديقي بأن المغرب أطلق سنة 2021، بتوجيهات ملكية، القانون الإطار المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية على مدى خمس سنوات. والذي يرتكز على تعميم التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات العائلية وأنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل.

وأضاف أن المحورين الأولين شهدا تقدما نسبيا، بينما لا يزال تعميم أنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل قيد الدراسة.

الصديقي يدعو إلى إصلاح شامل للمنظومة

واقترح الوزير السابق الانتقال إلى نظام شامل للتأمين ضد البطالة من خلال تخفيف شروط الاستفادة والرفع من قيمة التعويضات ومراجعة نسب الاشتراكات والسقف المعتمد للأجور.

وأوضح أنه في حال رفع نسبة الاشتراك إلى 3 في المائة. كما هو معمول به في تركيا، واعتماد كتلة الأجور المصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتي بلغت حوالي 221.8 مليار درهم سنة 2024، سيكون من الممكن تعبئة ما يقارب 7 مليارات درهم سنويا.

رفع الاشتراكات لتوسيع قاعدة المستفيدين

وأضاف أن هذا الغلاف المالي يمكن أن يتيح تغطية نحو 200 ألف عاطل عن العمل لمدة سنة كاملة بدل ستة أشهر فقط كما هو معمول به حاليا.

كما دعا إلى مساهمة الدولة في تمويل جزء من هذه المنظومة. خاصة لفائدة الباحثين عن الشغل لأول مرة، والذين بلغ عددهم سنة 2025 حوالي 857 ألفا و500 شخص، أي ما يمثل نحو نصف عدد العاطلين عن العمل بالمغرب.

تعويض خاص للباحثين عن الشغل لأول مرة

واعتبر أن هذه الفئة تحتاج إلى إقرار تعويض خاص عن البحث عن الشغل بدل الاقتصار على التعويض عن فقدان الشغل.

التأمين ضد البطالة أداة لمحاربة الفقر والهشاشة

وأكد الصديقي أن تجارب عدد من الدول أظهرت أن تعويضات البطالة تساهم في الحد من الفقر. ودعم الاستهلاك وتحسين الأوضاع الصحية والاجتماعية للعاطلين عن العمل، خلال فترات الانتقال المهني.

كما توفر الأمن المالي الذي قد يؤخر اللجوء إلى العمل غير المهيكل أو الهش.

نحو مقاربة شمولية للحماية من البطالة

وشدد على أن الاقتصار على أنظمة التأمين ضد البطالة الموجهة للعاملين في القطاع المنظم لا يكفي لتحقيق تغطية واسعة. مما يفرض اعتماد مقاربة شمولية ترتكز على تحسين ظروف العمل والأجور، وتعزيز قابلية التشغيل. والتشجيع على الإدماج في القطاع المنظم، ومحاربة التشغيل الناقص. خاصة في صفوف النساء والشباب، والحد من ظاهرة عزوف الباحثين عن العمل.

إجراءات ذات أولوية لتعزيز الحماية الاجتماعية

وخلص إلى أن الحكومات مطالبة بالجمع بين تحسين فعالية التأمين ضد البطالة وإرساء أنظمة متكاملة للحماية من البطالة تجمع بين التأمين الاجتماعي والأنظمة الممولة من الضرائب. مع تعزيز السياسات النشطة لسوق الشغل وتوسيع الإطار القانوني وتخفيف شروط الاستفادة والاستثمار في خدمات التشغيل والتكوين المهني.