حقق باحثون صينيون تقدما طبيا لافتا في مجال علاج داء السكري من النوع الأول. جاء ذلك بعد نجاحهم في استخدام أنسجة شبيهة بجزيرات البنكرياس مستخلصة من خلايا الأديم الباطن الجذعية. وقد تم ذلك في تجربة سريرية أولية أظهرت نتائج واعدة.

وكشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة “لانسيت للسكري والغدد الصماء” أن فريقا بحثيا مقره مدينة شانغهاي تمكن من استعادة وظيفة جزيرات البنكرياس لدى ثلاثة مرضى. وتعد هذه الخطوة قد تمهد لتغيير جذري في طرق علاج هذا المرض المزمن.

ويعد هذا التطور مهما، خاصة أن مرض السكري من النوع الأول يتطلب في العادة حقن الأنسولين بشكل يومي مدى الحياة. هذا يشكل عبئا صحيا ونفسيا على المرضى.

علاج جديد يعتمد على “E-islet”

يرتكز العلاج الجديد على استخدام أنسجة تعرف بـ”E-islet”. وهي أنسجة تم تطويرها انطلاقا من خلايا الأديم الباطن الجذعية. ويهدف ذلك إلى تعويض الخلايا المسؤولة عن إفراز الأنسولين داخل البنكرياس.

وأوضح تشنغ شين، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة من مركز التفوق في علوم الخلايا الجزيئية بالأكاديمية الصينية للعلوم، أن هذا النهج يشبه “استبدال جزء من جسم المريض”. وقد أشار بذلك إلى قدرة التقنية على تعويض الوظائف الحيوية المفقودة.

وتكمن أهمية هذا الابتكار في كونه يتجاوز الطرق التقليدية التي تعتمد على الخلايا الجذعية متعددة القدرات. إذ تتطلب هذه الطرق مراحل معقدة وطويلة لإنتاج خلايا البنكرياس، مع احتمال إنتاج خلايا غير مستهدفة.

تقليص مدة العلاج وتقليل المخاطر

أحد أبرز مميزات هذا النهج الجديد هو تقليص مدة تطوير الخلايا في المختبر. إذ تم تقليص فترة الزراعة من حوالي 40 يوما إلى 14 يوما فقط. وهذا يمثل تقدما زمنيا مهما في هذا المجال.

كما يساهم هذا الأسلوب في تقليل المخاطر المرتبطة بالعلاج، خاصة خطر تكوّن الأورام. ويعود ذلك إلى أن خلايا الأديم الباطن الجذعية لا تتكاثر داخل الجسم بشكل عشوائي، على عكس بعض أنواع الخلايا الجذعية الأخرى.

ويفتح هذا التطور الباب أمام تحسين سلامة العلاجات القائمة على الخلايا. وتعد هذه النقطة تحديا رئيسيا ظل يعيق تعميم هذه التقنيات في الممارسة الطبية.

نتائج أولية مشجعة

شملت الدراسة ثلاث حالات لمرضى يعانون من داء السكري من النوع الأول. من بينهم امرأة تبلغ من العمر 30 عاما تعاني من المرض منذ 18 سنة. وكذلك رجل يبلغ 45 عاما مصابا بحالة حادة. إضافة إلى فتاة تبلغ من العمر 15 عاما، تعد أول قاصر تستفيد من هذا النوع من العلاج.

وأظهرت النتائج تحسنا ملحوظا في وظائف البنكرياس لدى المرضى. وهذا يعزز فرضية أن هذا النوع من العلاج يمكن أن يشكل بديلا فعليا للأنسولين في المستقبل.

ورغم أن عدد الحالات لا يزال محدودا، إلا أن هذه النتائج الأولية تُعتبر خطوة مهمة نحو تطوير علاج فعال ومستدام لمرض السكري.

أمل جديد لملايين المرضى

يُعد داء السكري من النوع الأول من الأمراض المزمنة التي تؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم. ويعتمد المرضى فيه بشكل أساسي على الأنسولين للحفاظ على مستويات السكر في الدم.

وفي ظل هذه المعطيات، يمثل هذا الابتكار الطبي أملا جديدا لتقليل الاعتماد على الحقن اليومية، وتحسين جودة حياة المرضى.

غير أن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسات والتجارب السريرية على نطاق أوسع، قبل اعتماد هذا العلاج بشكل رسمي.

بين الأمل والتحديات العلمية

رغم التفاؤل الذي يحيط بهذا الاكتشاف، إلا أن تعميمه يظل رهينا بعدة عوامل. من بينها التأكد من فعاليته على المدى الطويل، وضمان سلامته لجميع الفئات العمرية.

كما أن التحديات المرتبطة بالكلفة وإمكانية توفير هذا العلاج على نطاق واسع تظل مطروحة، خاصة في الدول ذات الموارد المحدودة.

ومع ذلك، فإن هذا التقدم يعكس الدينامية المتسارعة في مجال الطب التجديدي. وهو يؤكد أن الأبحاث العلمية قد تقود في المستقبل إلى حلول جذرية لأمراض كانت تعتبر إلى وقت قريب مزمنة وغير قابلة للشفاء.