في كل مرة يظهر فيها اختراع جديد، يُصاب الناس بالذعر. حدث ذلك مع المطبعة، ومع الآلة البخارية، ومع الحاسوب. واليوم، يتكرر المشهد نفسه مع الذكاء الاصطناعي. لكن المغرب ليس أي بلد. لأن السؤال هنا لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل يتعلق ببنية اقتصادية هشة، وسوق شغل يعاني أزمات عميقة تسبق وصول أي خوارزمية.
فالبطالة في المغرب ليست مشكلة مستقبلية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. إنها مشكلة حاضرة وبنيوية. إذ تشير الأرقام الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة بلغ 13 بالمئة في نهاية 2025، مع تراجع طفيف مقارنة بالعام السابق. لكن الرقم الأكثر قسوة هو ذاك المتعلق بالشباب: 37.2 بالمئة من الفئة العمرية بين 15 و24 سنة بلا عمل. هذا ليس رقماً إحصائياً فحسب. إنه جيل كامل يقف على حافة الانتظار.
الأتمتة قادمة… لكن ليس كما نتصوّر
الخطاب السائد يختزل المسألة في معادلة بسيطة: آلة تحل محل إنسان. لكن الواقع أعقد من ذلك بكثير. فالذكاء الاصطناعي لا يُلغي وظائف بالجملة، بل يُعيد تشكيلها. يُغيّر طبيعتها ومتطلباتها. المهن الروتينية في القطاعات البنكية والخدمات الإدارية ستكون الأكثر عرضة للتقليص أو إعادة الهيكلة. لكن في المقابل، ستظهر وظائف جديدة مرتبطة بتحليل البيانات وأمن المعلومات وتطوير المحتوى التفاعلي.
وبحسب دراسة مشتركة بين شركة BCG ومنصة ReKrute نُشرت سنة 2024، فإن 52 بالمئة من المسؤولين التنفيذيين المغاربة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل منتظم، ما وضع المغرب في المرتبة الرابعة عالمياً، على قدم المساواة مع الصين. هذا الرقم يكشف عن حقيقة مزدوجة: من جهة، هناك اندفاع نحو التبني. ومن جهة أخرى، هناك فجوة كبيرة بين النخبة المتصلة بالعالم الرقمي والأغلبية التي لا تزال خارج هذا المدار.
استراتيجية وطنية… وتحديات بنيوية
أطلق المغرب مؤخراً استراتيجية “الذكاء الاصطناعي صنع في المغرب” (AI Made in Morocco)، ضمن خارطة طريق “المغرب الذكاء الاصطناعي 2030″، بأهداف طموحة: المساهمة بنحو 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام، وخلق 50 ألف فرصة عمل مباشرة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتكوين 200 ألف خريج في هذا الحقل. كما تشير التقديرات إلى أن الأثر المشترك لاستراتيجية “المغرب الرقمي 2030” وخارطة طريق الذكاء الاصطناعي قد يُنتج نحو 240 ألف فرصة عمل رقمية.
لكن بين الإعلان والتنفيذ مسافة طويلة. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أشار في رأيه الصادر سنة 2024 إلى أن المغرب يفتقر إلى استراتيجية وطنية متكاملة خاصة بالذكاء الاصطناعي، وأن الإطار القانوني الحالي يحتاج إلى تعديلات جوهرية لمواكبة تطورات هذه التكنولوجيا. كما أن الفجوة في الكفاءات المتخصصة وضعف التمويل الموجه للشركات الناشئة يُعيقان بناء منظومة أداء عالية.
والأخطر من ذلك أن المغرب يحتل المرتبة 79 من أصل 83 دولة في المؤشر الأممي لجاهزية الذكاء الاصطناعي. رقم صادم يكشف الهوة بين الطموح المُعلن والواقع المُعاش.
ما لا يقوله الذكاء الاصطناعي عن نفسه
المفارقة أن الخوف من الذكاء الاصطناعي يُخفي خوفاً أعمق: الخوف من التغيير ذاته. من إعادة النظر في منظومة التعليم. من الاعتراف بأن جامعاتنا لا تُعدّ خريجين لسوق الشغل كما هو اليوم، فكيف بسوق الغد؟ إن الإنفاق على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.75 بالمئة من الناتج الداخلي الخام. وهذا الرقم وحده يُلخّص المشكلة.
في المقابل، ثمة إشارات إيجابية لا ينبغي تجاهلها. المغرب من أوائل الدول التي انخرطت في توصية اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية أنشأت مركزاً دولياً للذكاء الاصطناعي. وشبكة معاهد للتميز في الذكاء الاصطناعي بدأت تتشكل عبر جهات المملكة. والاتفاق مع شركة Mistral AI الفرنسية لإنشاء مختبر بحثي مشترك يُبشّر بخطوات عملية.
الذكاء الاصطناعي .. السؤال الحقيقي
السؤال ليس: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على فرص العمل في المغرب؟ لأن الإجابة المختصرة هي: لا. لن يقضي عليها. لكنه سيُحوّلها تحويلاً جذرياً. والسؤال الحقيقي هو: هل نحن مستعدون لهذا التحويل؟
فالقطاع غير المهيكل يُمثل 37 بالمئة من إجمالي الوظائف. والقطاع الفلاحي فقد 150 ألف منصب شغل في ثلاث سنوات بسبب الجفاف وضعف الاستثمار. وقطاع الخدمات، رغم أنه أوجد 123 ألف فرصة عمل جديدة، يظل عاجزاً عن استيعاب جيش العاطلين. هذه أزمات بنيوية لا علاقة لها بالخوارزميات.
الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك. لكن شخصاً يُتقن استخدامه قد يأخذها. والفرق بين السيناريوهين يُحدده شيء واحد: الاستثمار في الإنسان. في تعليمه، وتكوينه، وإعادة تأهيله.
بين الذعر والأمل
يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق. ليس بسبب الذكاء الاصطناعي وحده، بل بسبب تراكم عقود من التأخر في الاستثمار بالرأسمال البشري. فالتكنولوجيا ليست القاتل. إنها المرآة التي تكشف هشاشاتنا.
والحل لا يكمن في مقاومة التحول، بل في قيادته. في بناء منظومة تعليمية تُعدّ للمستقبل لا للماضي. في سياسات عمومية تحمي العمال لا الوظائف القديمة. في شجاعة الاعتراف بأن العالم تغيّر، وأن من لا يتغيّر معه، يتخلّف. لأن الذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، ليس سوى أداة. والأدوات لا تبني الحضارات ولا تهدمها. البشر هم من يفعلون ذلك. والسؤال الوحيد الذي يستحق الطرح: أي مغرب نريد أن نبنيه في عصر الآلات الذكية؟




