بعد بداية متعثرة لترؤس مجلس النواب الأمريكي في يناير الماضي، دفع الجمهوري كيفن مكارثي منصبه ثمنا، بعد أن كان هدفا “للنيران غير الصديقة” للفصيل المتطرف في حزبه، الرامية للإطاحة به.
ففي سابقة في تاريخ الولايات المتحدة السياسي، صوت مجلس النواب الأمريكي، الثلاثاء، على إقالة رئيسه الجمهوري، كيفن مكارثي، وذلك على إثر مذكرة تنحية تقدم بها نائب من حزبه، أعلنت “شغور منصب رئيس المجلس”.
وبعد أن استنجد مكارثي بديمقراطيي الغرفة السفلى للكونغرس الأمريكي من أجل التوافق بشأن تمرير مشروع قانون الإنفاق المؤقت لتجنب الإغلاق الحكومي، بدأ ما يشبه العد العكسي لبقاء مكارثي على رأس الغرفة السفلى للكونغرس.
كيفن مكارثي.. رئيس لمجلس النواب لم يحظ بإجماع الحزب الجمهوري
طريق كيفن مكارثي، البالغ من العمر 57 عاما والمنتخب عن ولاية كاليفورنيا، كان، ومنذ البداية، مفروشا بأشواك رصها بعناية جناح متشدد من الحزب الجمهوري. هذا الفصيل أحبط، ولمرات متتالية، محاولات تنصيب مكارثي على رأس مجلس النواب الذي ظفر الحزب بأغلبيته في انتخابات التجديد النصفي في 8 نونبر الماضي.
التمرد الذي قاده 20 عضوا من الحزب على انتخاب الجمهوري كيفن مكارثي رئيسا لمجلس النواب، أكد آنذاك الانقسام الذي يشهده البيت الداخلي للحزب.
الأمر تطلب خمسة أيام و15 جولة تصويت، فضلا عن سلسلة من التنازلات ليتمكن مكارثي، في نهاية المطاف، من انتزاع رئاسة الغرفة السفلى في الكونغرس، خلفا للديمقراطية نانسي بيلوسي، وذلك بعد معركة تاريخية ضد المجموعة المتشددة من حزبه.
هذا الجناح المتشدد رفع سقف المطالب، معتبرا أن مكارثي “معتدل أكثر من اللازم”، ليذعن هذا الأخير بتقديم العديد من التنازلات، بما في ذلك القدرة على التخلص منه إذا لم يمتثل لمطالبهم.
فقد اضطر مكارثي إلى عقد اتفاق مع منتقديه، يسمح لهم بممارسة المزيد من السلطة في الكونغرس الجديد. اتفاق دفع مكارثي اليوم ثمنه غاليا، مع لجوئه نهاية الأسبوع الماضي إلى الديمقراطيين لتمرير قانون التمويل الفدرالي المؤقت لتفادي الإغلاق الحكومي.
إذ أشعل هذا الاتفاق، من جديد جذوة الخلاف المستعر داخل الحزب الجمهوري. مات غايتز، عضو الكونغرس المنتمي إلى اليمين المتشدد، وأحد أبرز منتقدي مكارثي، أكد أنه سيمضي قدما في تنفيذ وعيد اليمين الجمهوري المتطرف بمحاولة عزل مكارثي من منصبه القيادي.
النائب عن ولاية فلوريدا تقدم بمذكرة لعزل كيفن مكارثي، معيدا بذلك إشعال المعركة داخل الحزب بين المحافظين التقليديين وأنصار الرئيس السابق، دونالد ترامب.
مكارثي، من جانبه، تجاهل التهديدات التي يتلقاها من الفصيل الراديكالي داخل الحزب، متوقعا فشل جهود غايتس لإزاحته، ومعتبرا أن هذا الأخير كان مدفوعا بـ”ضغينة تافهة” عوض “خلاف بشأن جوهر الأمور”.
غير أن تصويت مجلس النواب جاء ليحسم مصير مكارثي: 216 صوتا مقابل 210 أصوات لصالح عزله، ليدخل الحزب الجمهوري، مجددا، في دوامة الانقسام التي تعصف به، وذلك قبل عام من إجراء الانتخابات الرئاسية.
الديمقراطيون.. طوق “غرق” الجمهوري مكارثي
وعيد الجناح اليميني المتشدد في الحزب الجمهوري كان واضحا: منصب مكارثي سيكون على المحك إذا اعتمد على أصوات الديمقراطيين لتجنب الإغلاق الحكومي الذي كان يهدد بشل الحياة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة.
غير أن مكارثي اعتمد على أصوات الديمقراطيين لتمرير قانون التمويل الفدرالي المؤقت، الذي سيمكن من الإبقاء على تمويل الحكومة الفدرالية إلى غاية 17 نونبر المقبل.
ثمانية جمهوريين، بقيادة مات غاتيز، انضموا إلى المعسكر الديمقراطي في مجلس النواب للإطاحة برئيسه.
ورغم أن مذكرة التنحية صدرت عن حزب مكارثي، إلا أن الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب انضمت إلى هذا الفصيل الجمهوري في التصويت ضد رئيس مجلس النواب.
فأثناء محاولته الظفر بمنصب رئاسة مجلس النواب، كان مكارثي قد هدد ببدء سلسلة من التحقيقات ضد الرئيس بايدن، بدءا من الانسحاب الفوضوي من أفغانستان إلى أزمة الهجرة، مرورا بالادعاءات بشأن إساءة استخدام السلطة في الأنشطة التجارية لهانتر بايدن، نجل الرئيس الأمريكي. وهو الأمر الذي لم يغفله الديمقراطيون أثناء تصويتهم لعزله.
زعيم الأقلية الديمقراطية في المجلس، حكيم جيفريز، اعتبر أن مكارثي أدى ثمن محاولته تلبية احتياجات المتطرفين في حزبه، في إشارة إلى التنازلات التي قدمها مكارثي للجمهوريين اليمينيين المتطرفين حين كان يسعى للظفر بالمنصب، بما في ذلك السماح لأي عضو بفرض اقتراح بالعزل.
وقال جيفريز إن التصويت لصالح عزل مكارثي جاء نظرا لعدم رغبة جمهوريي المجلس في النأي بأنفسهم عن الفصيل المتطرف في الحزب، مضيفا “إنها الآن مسؤولية أعضاء الحزب الجمهوري إنهاء الحرب الأهلية الجمهورية في مجلس النواب”.
نانسي بيلوسي، الرئيسة الديمقراطية السابقة للمجلس، علقت بدورها بالقول إن الحزب الديمقراطي لا يمتلك أي سبب للتصويت لإنقاذ منصب مكارثي.
من جانبه، دعا الرئيس الأمريكي، جو بايدن، مجلس النواب إلى المسارعة لانتخاب رئيس جديد، مؤكدا أنه “يتطلع إلى العمل مع مجلس النواب ومجلس الشيوخ لخدمة الشعب الأمريكي، وذلك بمجرد أن يفي مجلس النواب بمسؤوليته في انتخاب رئيس له”.
انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب الأمريكي يتسبب، مجددا، في انقسام بين الجمهوريين، الذين لا يحظون سوى بأغلبية ضئيلة في الغرفة السفلى للكونغرس، لتصبح عادة ترتيب البيت الداخلي للحزب الجمهوري ضرورة ملحة، في أفق استعدادات الحزب للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.




