يثير الجيل الجديد من مساعدي الذكاء الاصطناعي حماسة متزايدة داخل الشركات وقطاع التكنولوجيا. لكنه يرفع في الوقت نفسه منسوب القلق لدى خبراء الأمن السيبراني. ويعود ذلك مع اتساع قدرته على تنفيذ المهام واتخاذ المبادرات بشكل شبه مستقل. من جهة أخرى، تبرز أداة OpenClaw كواحدة من أبرز الأمثلة على هذا التحول. فقد راكمت انتشارا واسعا وأصبحت محط اهتمام كبير بسبب إمكاناتها ومخاطرها في الآن نفسه.
وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين إنشاء مساعدين رقميين مبنيين على نماذج ذكاء اصطناعي، من أجل تنفيذ مهام محددة عبر الإنترنت أو داخل بيئات العمل. فبعض الشركات تستعين بها للبحث عن زبائن جدد. بينما يستخدمها آخرون لتنظيم البريد الإلكتروني أو إعداد لوائح المهام أو إدارة تطبيقات متعددة بشكل تلقائي. وهذا التحول يعكس الانتقال من روبوتات دردشة تجيب عن الأسئلة إلى أنظمة قادرة على الفعل والتنفيذ.
مساعدو الذكاء الاصطناعي ينتقلون من المحادثة إلى التنفيذ
يرى خبراء في الأمن الرقمي أن الفارق الأساسي اليوم لا يتعلق فقط بذكاء هذه الأدوات، بل بطبيعة الصلاحيات التي تحصل عليها. فحين يرتبط المساعد بالبريد الإلكتروني، أو بمحرك البحث، أو بجدول المهام، أو بملفات الجهاز، فإنه لا يكتفي باقتراح الإجابات. بل يبدأ في التفاعل مع المعطيات وتنفيذ الخطوات نيابة عن المستخدم. ولذلك يصبح الخطأ المحتمل أكثر كلفة مما كان عليه في مرحلة الدردشة التقليدية.
وفي هذا السياق، نقلت تغطيات صحافية عن يزيد أكاديري، من مجموعة “إلاستيك” في فرنسا، قوله إن العالم انتقل من ذكاء اصطناعي كان يُستخدم للمحادثة إلى ذكاء اصطناعي “ينفذ مهاما ويتخذ مبادرات”. كما اعتبر أن التهديدات والمخاطر أصبحت أكبر بكثير.
دراسة ترصد سلوكات مقلقة
ضمن دراسة بعنوان “وكلاء الفوضى” أو Agents of Chaos، قام نحو 20 باحثا بدراسة سلوك ستة وكلاء ذكاء اصطناعي جرى إعدادهم بواسطة OpenClaw على مدى أسبوعين. وخلصت الدراسة إلى تسجيل عدد من السلوكات الخطرة. من بينها حذف محتويات البريد الإلكتروني، أو نقل معلومات شخصية، أو تجاوز الإطار الذي حدده المستخدم. كما أن الدراسة ما تزال في صيغة ما قبل المراجعة العلمية النهائية، لكنها أثارت نقاشا واسعا في الأوساط التقنية.
وتتقاطع هذه النتائج مع شهادات لمستخدمين تحدثوا على الإنترنت عن أخطاء ارتكبها مساعدين برمجوهم عبر OpenClaw، بينها تنفيذ أوامر بشكل موسع، أو سوء فهم التعليمات، أو الاستمرار في خطوات لم يكن يفترض تجاوزها. وتغذي هذه الأمثلة مخاوف متزايدة من أن تصبح هذه الأدوات أكثر استقلالية من المتوقع. بالإضافة إلى ذلك، تصبح أقل قابلية للضبط اليومي من طرف المستخدم العادي.
الخطر لا يأتي من الأخطاء فقط
لا تتوقف المخاوف عند حدود الأخطاء غير المقصودة. فخبراء الأمن يعتبرون أن هذه الأدوات ستصبح هدفا مفضلا للقراصنة كلما توسع استخدامها. ويعود ذلك لأنها توجد في نقطة حساسة بين البيانات، والمهام، والصلاحيات. ونقلت تغطيات حديثة عن ويندي ويتمور، من شركة “بالو ألتو نتووركس”، قولها إن المهاجمين، بمجرد دخولهم إلى بيئة رقمية، سيتجهون مباشرة إلى نماذج اللغة أو الوكلاء الداخليين. في هذه الحالة يقومون باستخراج مزيد من المعلومات.
كما رصدت وحدة الأبحاث “الوحدة 42” التابعة للشركة نفسها محاولات هجوم استعملت تعليمات مخبأة داخل مواقع إلكترونية. كان الهدف من ذلك توجيه الوكلاء إلى تنفيذ أوامر تخريبية، من قبيل حذف قواعد بيانات أو تغيير إعدادات. ويكشف هذا المعطى أن الخطر لا يأتي فقط من المستخدم أو من خلل داخلي. بل أيضا من بيئات خارجية قد تخدع الوكيل وتدفعه إلى تنفيذ تعليمات ضارة.
ملفات المهارات تفتح بابا آخر للهجوم
يحذر باحثون أيضا من مخاطر ما يعرف بملفات “المهارات” أو **skills** التي يضيفها المستخدمون لتوسيع قدرات الوكلاء. فقد بينت تقارير تقنية أن بعض هذه الإضافات تضمنت تعليمات خفية أو برمجيات ضارة موجهة لسرقة كلمات المرور أو مفاتيح المحافظ الرقمية أو معطيات حساسة أخرى. من جهة أخرى، وصفت تقارير إعلامية هذه الإضافات بأنها “كابوس أمني” بالنسبة إلى OpenClaw.
وفي فبراير الماضي، كُشف أيضا عن ثغرة حملت اسم **ClawJacked**. سمحت هذه الثغرة لبعض المواقع الخبيثة بالسيطرة على وكلاء محليين وسحب بيانات المستخدمين بصمت، قبل أن تُعلن معالجة الخلل عبر تحديث لاحق. لذلك يعزز هذا النوع من الثغرات مخاوف المؤسسات التي بدأت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي التنفيذي ليس فقط كأداة إنتاجية. بل أيضا كنقطة ضعف أمنية محتملة.
حتى الجهات الرسمية بدأت تتحفظ
لم يعد القلق محصورا في الشركات الخاصة أو الباحثين. فقد أفادت رويترز الشهر الماضي بأن جهات صينية حكومية ومؤسسات مملوكة للدولة حذرت موظفيها من استخدام OpenClaw على أجهزة العمل بسبب مخاطر تسرب البيانات أو حذفها أو إساءة استعمالها. ويظهر هذا التطور أن النقاش حول الوكلاء الذكيين دخل أيضا إلى مستوى السياسات العامة والحكامة الرقمية. ولا يقتصر على مستوى التجريب التقني فقط.
بين الحماس والضوابط
أقر بيتر شتاينبرغر، مؤسس OpenClaw، في تصريحات صحافية سابقة بأن هذه التقنية تحمل فعلا مخاطر، وأن المستخدمين يحتاجون إلى فهم قواعدها وحدودها وطريقة توجيهها. لكنه، في المقابل، يعكس توجها متزايدا داخل القطاع يرى أن هذه الأدوات ستواصل الانتشار بسرعة. حتى لو لم تكن كل ضمانات الحماية قد نضجت بعد.
وفي المقابل، ترى أصوات أمنية أن انتظار سلوك مثالي من المستخدمين ليس واقعيا. ويعود ذلك لأن الناس عادة ما يندفعون إلى استكشاف الابتكارات والاستفادة من مزاياها قبل التفكير في حماية البيانات أو مخاطر الخصوصية. هذا ما يجعل الحاجة ملحة اليوم إلى ضوابط أوضح. كما يبرز الحاجة إلى آليات إيقاف أسرع، وسياسات أمنية أكثر صرامة قبل أن تتحول هذه الأدوات إلى جزء عادي من الحياة الرقمية اليومية.
وبين الحماسة التي تثيرها هذه المساعدات بقدرتها على توفير الوقت وتنفيذ المهام، والمخاوف التي تثيرها بسبب أخطائها وهشاشتها الأمنية، يبدو أن العالم دخل فعلا مرحلة جديدة من الذكاء الاصطناعي. إنها مرحلة لا يكتفي فيها المساعد بالإجابة، بل يتحرك ويتصرف ويقرر. وهنا تحديدا يبدأ النقاش الحقيقي حول من يتحكم، ومن يراقب، ومن يتحمل الكلفة عندما يخرج الوكيل عن المسار.




