أكدت باريس، الخميس، تمسكها بحرية الإبداع وضرورة حماية كرامة المثقفين وسلامتهم، غداة إعلان الكاتب الفرنسي الجزائري كمال داود صدور حكم بالسجن النافذ في حقه بالجزائر، على خلفية روايته “حوريات” الفائزة بجائزة غونكور 2024.
وجاء الموقف الفرنسي على لسان وزيرة الثقافة كاترين بيغار، التي شددت في بيان على تمسك بلادها الراسخ بحرية الإبداع. واعتبرت أن الأدب يظل فضاء حيويا للإبداع. وذكرت أيضا أن كرامة المثقفين وسلامتهم يجب أن تحظيا بالحماية. ويعكس هذا الموقف حساسية الملف داخل الأوساط الثقافية والسياسية بفرنسا. وذلك بالنظر إلى مكانة كمال داود في المشهد الأدبي الفرنكفوني.
الحكم على كمال داود يثير رد فعل فرنسيا
أعلن كمال داود، الأربعاء، أن محكمة جزائرية قضت بسجنه ثلاث سنوات نافذة، مع غرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار جزائري. وكان السبب تناوله الحرب الأهلية الجزائرية في روايته “حوريات”. وقال الكاتب أيضا إن المحكمة أصدرت قرارا يمنعه من العودة إلى الجزائر.
وتتعلق القضية بالرواية التي نالت جائزة غونكور عام 2024، والتي تتناول صدمة العشرية السوداء من خلال قصة فتاة نجت من هجوم دموي خلال الحرب الأهلية. وبحسب المعطيات المتداولة، جرت متابعة داود استنادا إلى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. فهذا الميثاق يجرم الإشارات العلنية إلى الحرب الأهلية الجزائرية.
باريس تشدد على حرية الإبداع
في ردها على هذه القضية، اختارت وزارة الثقافة الفرنسية التركيز على مبدأ حرية الإبداع. وفضّلت ذلك بدل الدخول في سجال قانوني مباشر مع السلطات الجزائرية. وأكدت الوزيرة أن هذا المبدأ يظل عرضة للاختبار عندما يلامس الأدب موضوعات متوترة أو شديدة الحساسية. كان ذلك في إشارة واضحة إلى طبيعة المادة التي اشتغلت عليها رواية “حوريات”.
كما شددت باريس على أن حماية المثقفين لا تتعلق فقط بحقهم في الكتابة، بل أيضا بصون كرامتهم وسلامتهم. ويعكس هذا الموقف دعما سياسيا وثقافيا مباشرا لكمال داود. ويأتي ذلك خاصة في ظل تصاعد الجدل حول الحدود الفاصلة بين حرية الإبداع والقيود القانونية المفروضة على بعض المواضيع التاريخية في الجزائر.
شكوى بسبب قصة ناجية من العشرية السوداء
تعود جذور القضية إلى شكوى رفعت ضد الكاتب وزوجته، وهي طبيبة نفسية، بعد اتهامهما بكشف قصة شخصية لناجية من مجزرة خلال سنوات العنف في الجزائر، واستعمالها في الرواية من دون إذن. وكانت محكمة جزائرية قد قبلت هذه الشكوى لأول مرة في نونبر الماضي. بعد ذلك، تطورت القضية إلى حكم بالسجن ضد الكاتب.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن المرأة التي تقدمت بالشكوى قالت إن كمال داود استلهم شخصيتها وتجربتها الخاصة في الرواية، مستندا إلى معطيات حصلت عليها زوجته بصفتها المهنية. وقد شكل هذا الاتهام أحد أبرز محاور الجدل في الملف. علاوة على ذلك كان هناك النقاش الأوسع حول مشروعية تناول العشرية السوداء أدبيا في الجزائر.
رواية “حوريات” في قلب معركة ثقافية وقانونية
لم تعد “حوريات” مجرد رواية حصدت أهم جائزة أدبية فرنسية، بل تحولت إلى محور معركة ثقافية وقانونية تتداخل فيها أسئلة الذاكرة والرقابة والحق في السرد. فالرواية التي قرئت في فرنسا بوصفها عملا أدبيا عن الألم والنجاة، وجدت نفسها في الجزائر داخل سياق مختلف. إذ تحكمها هناك الذاكرة الجريحة والقوانين المنظمة لمرحلة الحرب الأهلية.
ومن هذه الزاوية، يبدو الحكم على كمال داود أكثر من مجرد قضية تخص كاتبا بعينه. فهو يعيد طرح أسئلة قديمة حول حدود الأدب، وحق الروائي في استلهام الواقع. كما يخص الأمر موقع الذاكرة الجماعية في المحاكمات الثقافية. وهذا استنتاج تدعمه طبيعة التهم نفسها. كما تدعمه طبيعة الرد الفرنسي عليها، الذي ركز على حرية الإبداع لا على التفاصيل التقنية للنزاع القضائي.
قضية تتجاوز الكاتب إلى مناخ الحريات
يحضر ملف كمال داود أيضا في سياق أوسع يتصل بمناخ الحريات في الجزائر، حيث سبق أن أثارت قضايا مشابهة نقاشا واسعا بشأن حرية التعبير والكتابة. وقد أوردت تقارير سابقة أن الجزائر أصدرت كذلك مذكرتي توقيف دوليتين بحق داود في ماي 2025.
وبهذا المعنى، فإن رد باريس لا يقتصر على التضامن مع روائي معروف، بل يلامس قلقا أعمق داخل الوسط الثقافي الفرنسي. ويأتي ذلك من اتساع مساحة التضييق على الأدباء حين يقتربون من الملفات التاريخية الحساسة. لذلك، جاء بيان وزيرة الثقافة بصياغة واضحة، تجعل من حماية الفنانين وكرامتهم جزءا من الدفاع عن الأدب نفسه.




