يأتي إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار في سياق سياسي واجتماعي خاص، ليطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات القرار، وما إذا كان اختيارًا طوعيًا محسوبًا أم انسحابًا اضطراريًا تحت ضغط الشارع وتآكل الرصيد السياسي. فرغم تقديم القرار رسميًا باعتباره احترامًا لقواعد التداول الداخلي، إلا أن التوقيت والدلالات السياسية يفتحان الباب أمام قراءة أكثر نقدية لمسار تجربة حكم وُصفت على نطاق واسع بأنها مخيّبة للآمال.

فمنذ وصوله إلى رئاسة الحكومة، راكم أخنوش وعودًا كبرى ارتبطت بالدولة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية وتقليص الفوارق، غير أن الواقع كشف فجوة عميقة بين الخطاب والإنجاز. فقد واجهت حكومته موجة غلاء غير مسبوقة، وتراجعًا في الثقة، وشعورًا عامًا بأن السياسات العمومية تخدم منطق المصالح الاقتصادية أكثر مما تستجيب لانتظارات الفئات الهشة. هذا التناقض غذّى حالة احتقان خاصة في أوساط الشباب، الذين وجدوا أنفسهم خارج معادلة القرار، بلا أفق واضح ولا خطاب يقنعهم بجدوى المشاركة السياسية.

في هذا السياق، برز ما يُعرف بـ“جيل زيد” كفاعل غير منظم لكنه مؤثر، مستعملًا الفضاء الرقمي للاحتجاج والسخرية والتفكيك الرمزي لصورة رئيس الحكومة، ما أدى إلى تآكل هيبته السياسية بشكل غير مسبوق. فلم يكن هذا الجيل بحاجة إلى قيادة أو شعارات كبرى، بل اكتفى بتعرية التناقضات وتضخيم الإخفاقات، محولًا أخنوش إلى رمز لزواج السلطة بالثروة، وهو توصيف لاحقه منذ البداية ولم تفلح حكومته في نفيه عمليًا.

ويبدو قرار عدم الترشح لولاية ثالثة، في هذا الإطار، أقرب إلى محاولة خروج آمن بأقل الخسائر، وتفادي اختبار انتخابي قد يكشف حجم التراجع الشعبي للحزب ورئيسه معًا. فبدل خوض معركة داخلية لتعديل القوانين أو فرض الاستمرارية، اختار أخنوش الانسحاب بهدوء، تاركًا الحزب يواجه استحقاقاته المقبلة بوجوه جديدة، وربما بخطاب يحاول التنصل من إرث حكومي ثقيل.

لا يمكن إذن فصل هذا القرار عن فشل النموذج السياسي الذي مثّله أخنوش، والقائم على تسويق الكفاءة الاقتصادية كبديل عن الشرعية السياسية والشعبية. إذ أثبتت التجربة أن منطق التدبير التقني لا يكفي لإدارة مجتمع يعاني من اختلالات عميقة، وأن تجاهل نبض الشارع، خاصة الشبابي، يقود حتمًا إلى العزلة السياسية. ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا الانسحاب نهاية لمسار فردي فقط، أم بداية لمراجعة أعمق في علاقة السلطة بالثقة والمحاسبة.