تحتضن مدينة الصويرة ما بين 24 و26 أبريل الجاري فعاليات الدورة الثانية لملتقى ربيع ركراكة، المنظم في إطار موسم “دور” زوايا ركراكة، تحت شعار “دور ركراكة، من الروحي والتراثي إلى التنمية الترابية المندمجة”.
ويأتي هذا الموعد الثقافي في سياق يتزايد فيه الاهتمام بتثمين التراث الثقافي والروحي وجعله جزءا من الرؤية التنموية للمجالات الترابية. ويبرز هذا بشكل خاص في المناطق التي تختزن رصيدا تاريخيا ولاماديا غنيا.
وذكر بلاغ للجهات المنظمة أن هذا الحدث تنظمه جماعة زاوية ابن احميدة ومؤسسة نقيب زوايا ركراكة، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى اعتماد مقاربة للتنمية الترابية المندمجة. وتقوم هذه المقاربة على تثمين الخصوصيات المحلية والرأسمال اللامادي. كما تعمل على جعل الثقافة والتراث رافعتين للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.
ملتقى ربيع ركراكة يربط التراث بالتنمية
تسعى الدورة الثانية من هذا الملتقى إلى تقديم موسم “دور” ركراكة بوصفه أكثر من مجرد تقليد سنوي أو مناسبة روحية. وتسعى الجهات المنظمة أيضاً لفتح نقاش أوسع حول قدرته على التحول إلى رافعة فعلية للتنمية المجالية.
وفي هذا السياق، يشكل الملتقى مناسبة لتبادل الرؤى والخبرات بين باحثين وخبراء وفاعلين مؤسساتيين. يهدف ذلك إلى بلورة تصورات عملية تجعل من التراث الثقافي المحلي مدخلا للتنمية المستدامة.
كما يراهن هذا الموعد على إبراز العلاقة الممكنة بين الحفاظ على الموروث الثقافي اللامادي وبين إنعاش المجالات القروية. يأتي هذا في انسجام مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز العدالة المجالية ورفع جاذبية هذه المجالات.
شراكات مؤسساتية وأكاديمية
ينظم هذا الحدث بشراكة مع شركة التنمية المحلية “الصويرة ثقافة فنون تراث تهيئة وتنمية”. كما يتم التنظيم بتعاون مع جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، والمديرية الإقليمية لوزارة الثقافة بالصويرة. ويشارك أيضا عدد من الشركاء المؤسساتيين والأكاديميين.
ويعكس هذا الحضور المؤسسي والأكاديمي رغبة المنظمين في منح الملتقى بعدا عمليا وعلميا. ويتجاوز الملتقى الجانب الاحتفالي إلى بناء تصور متكامل حول تثمين المجال الركراكي.
كما يمنح هذا التعاون للملتقى طابعا جماعيا، لأن الرهان المطروح لا يقتصر على تنظيم تظاهرة ثقافية. بل يمتد إلى التفكير في نموذج تنموي يربط بين الهوية المحلية والفاعلية الاقتصادية والاجتماعية.
ثلاثة محاور رئيسية في قلب النقاش
سيشتغل الملتقى على ثلاثة محاور رئيسية، أولها الأبعاد الروحية والسوسيولوجية لموسم “دور” ركراكة. ويتم التركيز على ما يحمله من حضور في الذاكرة الجماعية ومن وظائف اجتماعية وروحية داخل المجال.
أما المحور الثاني، فيتعلق بالعمق التاريخي والأركيولوجي للمجال الركراكي. ويتم ذلك في محاولة لإبراز ما يختزنه هذا الفضاء من رصيد حضاري وتاريخي. ويمكن لذاك أن يشكل أساسا لمزيد من البحث والتثمين.
في حين يركز المحور الثالث على سبل تحويل التراث إلى رافعة للتنمية المجالية. ويتم ذلك عبر مقاربات تجعل من الموروث المحلي موردا ثقافيا واقتصاديا قابلا للإدماج ضمن السياسات الترابية.
ويعكس هذا البناء الثلاثي رغبة واضحة في الجمع بين البعد العلمي والروحي والتنموي. ويهدف ذلك حتى لا يبقى الحديث عن التراث منفصلا عن واقع المجالات التي تحتضنه.
انفتاح على الأجيال الصاعدة
من بين أبرز فقرات الدورة الثانية تنظيم مسابقة تربوية بيداغوجية لفائدة تلاميذ التعليم الثانوي. وتهدف هذه المسابقة إلى تشجيع الإبداع وتعزيز ارتباط الأجيال الصاعدة بتراثها المحلي.
وسيطلب من المشاركين إنجاز أعمال فنية وسمعية بصرية حول تمظهرات الموسم. وتهدف هذه الخطوة إلى منح الشباب والتلاميذ فرصة إعادة اكتشاف هذا الموروث بلغتهم الخاصة وأدواتهم التعبيرية المعاصرة.
وتكشف هذه المبادرة أن المنظمين لا يرون في التراث مجرد ذاكرة ماضية، بل يعتبرونه أيضا مادة حية يجب أن تجد طريقها إلى وعي الأجيال الجديدة. ويأتي ذلك حتى يستمر حضورها ويتجدد داخل المجتمع.
جلسات علمية وأمسيات روحية وخرجة إيكوثقافية
يتضمن برنامج الملتقى جلسات علمية ومداخلات أكاديمية، إضافة إلى أمسيات روحية. ويعكس هذا الطابع المركب لهذا الموعد الذي يجمع بين التأمل الروحي والتفكير العلمي.
كما ستنظم خرجة إيكوثقافية لفائدة المشاركين. وتهدف هذه الخرجة إلى اكتشاف المؤهلات التاريخية والطبيعية للمجال الركراكي. تأتي هذه الخطوة في محاولة لتعزيز العلاقة بين الثقافة والطبيعة والتنمية.
ويبرز هذا الاختيار أن المنظمين يريدون للملتقى أن يكون تجربة ميدانية أيضا، لا مجرد فضاء للنقاش النظري. ويتم ذلك عبر تقريب المشاركين من المجال نفسه ومن عناصر قوته التراثية والبيئية.
موسم “دور” ركراكة كنموذج وطني
يعتبر موسم “دور” ركراكة، بحسب البلاغ، نموذجا وطنيا متميزا، لأنه يجمع بين الأبعاد الروحية والاجتماعية والاقتصادية في آن واحد.
ويمتد هذا الموسم على مدى 44 يوما عبر عدد من الجماعات الترابية. ويساهم ذلك في خلق دينامية اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة النطاق، ومجسدا غنى التراث الثقافي اللامادي للمملكة.
ومن هنا، يأتي الرهان على هذا الملتقى من أجل جعل هذا الموسم موضوعا للتفكير المنظم. ويعتبر أيضا مجالا لإنتاج أفكار وتوصيات تساعد على تثمينه بشكل أفضل. ويسهم كذلك في ربطه بأوراش التنمية الترابية.
وبذلك، تقدم الدورة الثانية لملتقى “ربيع ركراكة” نفسها كموعد يجمع بين الذاكرة والبحث والتأمل والتنمية. وتبرز هذه المحاولة أن التراث الروحي والثقافي ليس فقط موضوعا للاحتفاء، بل أيضا موردا قادرا على الإسهام في بناء تنمية مجالية أكثر توازنا وتجذرا في الخصوصيات المحلية.




