من قاعات الأقسام التحضيرية بفاس، إلى مدرجات أكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني، بدت مسيرة حمزة بن عزوز مرسومة بدقة نحو مسار مدني تقليدي واعد.
غير أن نداء الخدمة العسكرية غيّر البوصلة، ليمنح هذا المهندس الشاب تجربة غيرت نظرته للحياة والمهنة على حد سواء.
لم يكن القرار سهلا، لكنه، كما يقول حمزة، “كان من أبرز المحطات في مساري، لأنها اختبرت قدراتي، ووسعت أفق إدراكي لمسؤوليتي كمواطن ومهني”.
سنة كاملة قضاها داخل القاعدة الجوية بمراكش، بدايةً بتكوين أساسي صارم، ثم تخصص دقيق في مجال المراقبة والملاحة الجوية، جعلته يرى نفسه من منظور جديد.
في الأشهر الأربعة الأولى، غاص حمزة في عالم مختلف. انضباط عسكري، حياة جماعية، ضغوط مكثفة. “كنت أعتقد أنني أتحلى بالصبر والتحكم في التوتر، لكن داخل الجيش، تكتشف هذه القيم في مواقف عملية وقاسية أحيانًا”، يقول حمزة، الذي يصف تلك المرحلة بأنها “ورشة شخصية مكثفة لصقل الذات وتعزيز الثقة”.
أما المرحلة الثانية من التكوين، فقد أعادته إلى مجاله المفضل، لكن بروح جديدة. في تخصص المراقبة الجوية، صار حمزة أمام مسؤوليات فورية تتطلب اتخاذ قرارات سريعة، إدارة تنقل الطائرات، وضمان السلامة في حالات الطوارئ. “لا مجال للخطأ في هذا المجال، والدقة هنا ليست رفاهية بل ضرورة”، يوضح بتأمل المهندس المجند.
في حديثه عن هذه التجربة، لا يخفي حمزة أنها كانت “نقلة نوعية”، حتى بالنسبة لخريج مؤسسة أكاديمية مرموقة. فمزاوجة التكوين المدني بالتدريب العسكري منحته قدرة على التأقلم والنجاعة في مواقف حقيقية.
اليوم، وبعد انتهاء مدة الخدمة، يرى حمزة أن هذه المرحلة ليست عابرة، بل أساس صلب يُبنى عليه المستقبل. “هي فرصة لكل شاب، سواء كان حاملاً لشهادة أو لا، لبناء الثقة، واكتشاف الإمكانات الذاتية، والاستعداد المهني الحقيقي”، يؤكد بثقة.
تعكس قصة حمزة بن عزوز فلسفة الخدمة العسكرية الجديدة التي أطلقها المغرب، والتي تستهدف شبابًا تتراوح أعمارهم بين 19 و25 سنة، عبر مسارين متكاملين: تكوين أساسي مشترك، وتكوين تقني ومهني يتماشى مع حاجيات سوق الشغل الوطني.
من خلال هذا المسار، يتجلى الوجه التنموي للخدمة العسكرية، بوصفها تجربة مواطنة، ومدرسة ميدانية تنتج كفاءات واثقة، مستعدة للمساهمة في بناء مغرب الغد.




